ربما أصبحت أكلة “الحبية” التي يعرفها سكان الجزيرة السورية كلهم، وخصوصاً دير الزور نوعاً من الطعام التراثي لعدة أسباب، على رأسها الشتات الذي تعرض له أهل المنطقة ونزوحهم وهجرتهم، كما أنها أكلة شديدة الصعوبة بالنسبة لربات المنازل ولم يعد الجيل الجديد يصبر عليها أو يتقنها.
وتعتبر أكلة ذائعة الصيت على الرغم من عدم وجودها الكثيف على الموائد، ويرجع السبب إلى الوقت والجهد الذي تحتاجه إلى تحضيرها، فهي تتكون من حب القمح الكامل والمقشور إضافةً إلى الحمص الحب واللحم والعصب والعظام، ويتم التحضير لهذه الوجبة قبل يومٍ كامل، إذ يتعذر على ربة المنزل القيام بكل احتياجات الوجبة في يوم واحد.
وعن طريقة تحضيرها تقول إحدى السيدات من الجيل القديم: تقوم ربة المنزل بنقع الحمص والقمح قبل نحو /24/ ساعة من عملية الطهو، وفي اليوم التالي تطبخهما مع العظام والعصب حتى تشارف الطبخة على النضج، ومن ثم تترك جانباً، ويتم تقطيع اللحمة إلى قطع صغيرة “رأس عصفور” ويفضل أن تكون اللحمة خالية من الشحوم، حيث يتم قليها بالسمن حتى تنضج بشكلٍ كامل، وتوضع عليها التوابل والملح وبعدها يتم سكب الحمص والقمح والعظام والعصب عليها، وتبدأ عملية الطهو وتستمر حتى تبدأ بالغليان.
وعن المرحلة الثانية من الطبخ تقول ربة المنزل: يتم إفراغ “الحبية” في “طنجرة الضغط” وتوقد تحتها النار وتترك لفترة من الزمن، وعلى الأغلب تستمر بالطبخ بعد أن تبدأ “الطنجرة” بالصفير بمدة لا تقل عن عشر دقائق إلى ربع الساعة، ثم تسكب “الحبية” في وعاء مباشرة وتقدم إلى العائلة، وتتميز هذه الأكلة بضرورة تقديمها ساخنة ولا ضير إذا تركت قليلاً لتبرد، ومن مواصفات نجاح هذه الطبخة أن تبدو الوجبة أقرب إلى “المرقة” السميكة وأن تكون كل المكونات ناضجة إلى حدٍ كبير.
في السابق لم تكن “الحبية” تطبخ بهذا الشكل الذي نراه اليوم، فسابقاً كان قشر القمح يتم يدوياً ولم تكن “طناجر الضغط” موجودة في ذلك الوقت، لذا كانت ربة البيت تطبخها على نار الحطب وبقدور كبيرة، وفي أغلب الأحيان كانت تطبخ دون لحم بل كانت تقتصر على إضافة العظام، والعبرة في هذه الأكلة هي حبات القمح المطبوخة في “مرق” العظم وعلى وجه الخصوص مخ العظم، وبعد أن تنضج يبدأ كل شخص بتناول العظام محاولاً سحب المخ الموجود داخله، فنكهته لذيذة وفائدته كبيرة، وكنا غالباً ما نسمع أن هذه الأكلة تقوي ركب الإنسان، وكان يقال في “الحبية” إنها تنزل على الركب فور وصولها إلى المعدة، حيث كان الرجال في ذلك الوقت يقومون بأعمال مجهدة تستوجب الغذاء الذي يقويهم على بذل جهد عضلي كبير، أما اليوم ومع الراحة التي يعيشها أغلب الناس، فهذه الوجبة أصبحت تُقدم في أوقات متباعدة أو عندما يشتهيها الإنسان.
صحيفة الفرات