مقاربة معرفية لل “جنون”من بوابة “ستوني هيرست”

د . نعمة العبادي

منذ عقود كانت اشكالية الجنون مفهوما واصطلاحا وتطبيقا تمثل احد اهم الاسئلة الكبرى التي شغلت جزء من اهتمامي، وقد كان في يوم ما احد احلامي ان اكون طبيبا نفسيا، وقد زامن هذا الحلم موجة الاقبال على الفروديات وقضية الوسيط والتلباثي وجدل الروح والجسد وما تفرع عنها، ورغم اني لم اختص في هذا المجال إلا اني قرأت وجمعت في مكتبي عددا لا بأس به من النصوص التي قاربت هذا الموضوع من زوايا مختلفة، لكنها جميعا لم تسد فراغات معرفية ظلت تلح باجابتها وتتطور وتتوسع مع توسع دائرة معرفتي دون ان تجد ما يرضيها من الاجابة.

قديما كانت حكايات من يسمونهم المجانين احد نتاجات التراث المهمة، وقد احتوت مادة مهمة إلا انها لم تتعدى التوصيف والتوثيق الذي لا يخلو من مشاكل خلل السند، كما ام بحث العقل والعاقل لا بوصفه الضد للجنون والمجنون، بل تمت مقاربته في الفلسفة وعلم الكلام والفقه، وهي محطات كانت مسلطة على العقل الذي كان ولا يزال وسيظل احد اهم التحديات المعرفية التي لم تحظى باجابات مسكتة.

كان الجنون في الفقه ظاهرا في بعد التكليف والالزام وبه سقط القلم اي سقط خطاب التكليف المشروط بالادراك اي وعي والتفات الانسان الى ما يقوم به من فعل، وتمت مناقشته في السلوك الجرمي وفي القصاص والديات والمواريث، وذات النقاش وظفه القانون في علم الاجرام والعقاب حيث كان الحديث عن المسؤولية وفروعها.

قفز ما سمي  بعلم النفس اي العلم الذي يهتم بالسلوك الشخصي للانسان كفرد ثم تفرعت منه فروع عديدة، وكان تطور حقول التجربة والملاحظة وامكانية رصد السلوكيات وتحليلها احد اهم المفاتيح لهذا التقدم، وقدم فرويد بوصفه احد اهم من درس تحليل السلوك عشرات الاراء والنظريات فيما يتصل بفهم سلوك الانسان ومرجعيته ودوافعه والتي لا تزال موضع جدل، فيما تقدمت اساليب العلاج النفسي وكان احد محطاتها المؤلمة استعمال التيار الكهربائي بشحنات معينة لاستعادة تنظيم كهربائية الدماغ، وهي صورة علاجية اختلطت بنقطة خادشة في الذاكرة الجمعية وارتبط بها ملفات حساسة تعلقت بمشروعية ومقبولية حدود استخدامها، وصور من توظيفها لحالة ارتبطت بالخلاف السياسي والحرب والصراعات.

كانت الصور المختلفة واقعا، المتباينة سلوكا، والمعقدة فهما، مع اجمالها بشكل غير دقيق تحت اصطلاح مجنون، احد اهم الاستفهامات التي ارقت معرفتي، كما ان اشتقاقات شعبية مثل ( مخبل وشاخط وجادح ومهبول ولاكف ومهووس ومعقد نفسيا وضاربة فيوزاته ) وألفاظ اخرى تحيل على قائمة عريضة مفتوحة الاطراف تزيد من تعقيد هذا الترصيف.

مثل ارتباط الجنون باعلى صور الذكاء والتميز، وارهف صور العشق والهيام، وبعض صور الصراع السياسي ومخلفات الحرب، وتداخل في صراعات المال والسلطة، وهي موضوعات احتاجت الى صياغة اسئلة معرفية مختلفة عما عهده علم النفس والفقه والقانون وكل البحث التقليدي لهذا الموضوع الاكثر ارقا لمشاعر الانسانية منذ فجر التاريخ، كما ان ارتباطه بالدين والعقائد والوحيانية هو الآخر ثقل مضاف على حمولة هذا التحدي المعرفي غير الممسوس بما يليق به.

مصحة ستوني هيرست فلم مميز يعرض لحقبة تاريخية مميزة في نهاية القرن التاسع عشر تتحدث عن محتجز في منطقة ثلجية مميتة، تكاد تكون فرص الحياة فيها ضئيلة، يحوي خليط من شخصيات سياسية ودوقات واطباء وعسكريين، موضوعين على اساس انهم مجانين تحكمهم معاملة غريبة تمثل مشروعا عقابيا، فبلاس الطبيب العسكري الذي تعرض لظروف معقدة اوصلته الى الجنون، والذي يطيح بادارة سابقة كانت تعامل الافراد بجنون مفرط، ثم ادوارد الذي جاء على اساس انه احد الاطباء المبتعثين من جامعة اكسفورد كمعالج والذي يكشف كل اسرار هذا المكان المغمور والمملوء بالخفايا وعلامات الاستفهام، والذي يمثل بارقة امل تستنقذ واقع هذا المعتقل النفسي، والذي كان يتصرف كطبيب حاذق وانسان يظهر في النهاية مريض نفسي انتحل شخصية طبيب مشهور ليصل الى ضحية وهي غرايفز الجميلة والتي تعلق بها وهو على كرسيه عندما قدمهما ذاك الطبيب مع حالته كنموذجين للجنون امام طلاب الطبية في اكسفورد، ومن داخل هذه الدراما المعقدة تولدت قائمة من الاسئلة المعرفية التي لا تريد مقاربات نفسية تقليدية منها: من هو المجنون وما هو الجنون؟ وهل يمكن ان يتحول الجنون الى مدخل لاعادة ترتيب اوراق العالم العاقل ومن هو المسؤول عن عقلنة العالم المنزاح بقوة نحو الجنون؟ وما هو الحد الفاصل بين الجنون والسياسة والجنون والحرب والجنون والخطيئة والجنون والطهر والجنون والعشق؟

اننا بصدق امام تحدي فكري معرفي انساني عظيم لا تكفيه الاجابات الجاهزة والاقتطاعات الملفقة التي تحوم حول ذات النقطة المتصلة بالادراك من عدمه، بل لا بد من الذهاب عميقا وبعيدا ليتسنى لنا فهم صور ونماذج معقدة يتخم بها عصرنا منها اشكال مضطربة من السلوك السياسي، نماذج من الانخراط في لعبة الارهاب وماكنته، النشاط الاستهلاكي الذي لا يقوم من قريب او بعيد على اساس الحاجات، المشاريع المنفذة والمقترحة لصور واشكال التدمير الكلي للعالم، المذاهب الثقافية والاجتماعية والدينية الغريبة، وصور كثيرة اخرى تحتاج الى عشرات المؤسسات وآلاف الباحثين للوصول الى اجابات شافية.

ختاما اؤكد القول بأن هذا العالم المحموم بالكارهية والمشحون برغبة الإخضاع والمفرغ من الحب يشغلني حد الاستيعاب الكلي بوصفه اكبر مؤامرة على العقل والوجدان والضمير.

رقم العدد: 4290

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار