في مدينة التبني بريف دير الزور الغربي لا تقتصر التحديات على نقص الخدمات الأساسية أو الحاجة إلى ترميم المدارس والمرافق العامة بل تمتد إلى مؤسسات خدمية ما زالت أبوابها مغلقة، رغم حاجة آلاف المواطنين إلى خدماتها اليومية وبين تحسن نسبي شهدته بعض القطاعات واستمرار نواقص في قطاعات أخرى، يجد الأهالي أنفسهم أمام سلسلة من المطالب التي تتعلق بالمياه والكهرباء والنظافة والتعليم والصحة، وصولاً إلى إعادة تفعيل السجل المدني ومقسم الهاتف والبريد والمؤسسات العامة.
وفي مدينة يتجاوز عدد سكانها 42 ألف نسمة مع احتساب الوافدين وفق بيانات مجلس المدينة تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة خدمية شاملة لا تكتفي بمعالجة المشكلات الطارئة بل تتجه نحو استكمال المشاريع المتوقفة وإعادة المؤسسات إلى العمل وتأمين احتياجات السكان في المدينة والتجمعات التابعة لها
رئيس مجلس مدينة التبني الأستاذ “جمعة السليمان التايه أكد في حديثه لمراسل” الفرات “أن المدينة تواجه تحديات خدمية وزراعية متعددة، رغم التحسن الملحوظ في بعض القطاعات مشيراً إلى ضرورة استكمال أعمال الترميم والصيانة، وتحسين خدمات المياه والكهرباء والنظافة، وإعادة تفعيل عدد من المؤسسات العامة التي يحتاج إليها المواطنون لإنجاز معاملاتهم والحصول على الخدمات الأساسية.
* مؤسسات عامة متوقفة.. لماذا طال انتظار إعادة تشغيلها
تشكّل إعادة تفعيل المؤسسات العامة إحدى أبرز القضايا التي تطرحها احتياجات مدينة التبني ولا سيما أن استمرار توقفها يضع أعباء إضافية على المواطنين، ويدفعهم إلى التنقل نحو مناطق أخرى لإنجاز معاملاتهم بما يترتب على ذلك من تكاليف مالية ووقت وجهد
ويأتي السجل المدني في مقدمة هذه المؤسسات إذ أوضح رئيس مجلس المدينة أن المركز لا يزال متوقفاً عن العمل بسبب عدم توافر الموظفين، رغم أهميته في تقديم الخدمات للمواطنين. وبحسب” التايه “فإن السجل يخدم أكثر من 120 ألف نسمة من المسجلين ضمن نطاقه، ما يجعل إعادة تشغيله حاجة تتجاوز حدود المدينة لتشمل شريحة واسعة من سكان المنطقة.
وتبرز أهمية إعادة افتتاح المركز في تمكين المواطنين من إنجاز معاملاتهم المتعلقة بالوثائق المدنية والحصول على بيانات غير الموظف وغير المحكوم وغيرها من الوثائق التي يحتاجون إليها في شؤونهم اليومية، بدلاً من تكبّد عناء السفر إلى مناطق أخرى للحصول عليها
وهنا يبرز السؤال: ما الإجراءات المطلوبة لتأمين الكادر الوظيفي اللازم وإعادة تشغيل السجل المدني وهل يمكن وضع جدول زمني واضح لعودة خدماته، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويضمن وصولهم إلى الخدمات التي يحتاجون إليها
ولا يقل مقسم الهاتف أهمية عن السجل المدني، إذ لا يزال خارج الخدمة، رغم الانتهاء من أعمال تأهيله وانتظار استكمال التجهيزات الميكانيكية اللازمة لتشغيله وفق ما أورده رئيس مجلس المدينة
ويخدم المقسم آلاف المشتركين من أبناء التبني والقرى التابعة لها ما يجعل استكمال تجهيزاته وإعادته إلى العمل مطلباً خدمياً ملحّاً، في ظل أهمية الاتصالات في الحياة اليومية سواء في التواصل بين السكان أو في تلبية احتياجات الأنشطة التجارية والخدمية.
وبين إنجاز أعمال التأهيل وانتظار التجهيزات، يبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية: ما الذي يحول دون استكمال متطلبات التشغيل ومتى ينتقل المشروع من مرحلة الانتظار إلى تقديم الخدمة فعلياً للمشتركين
أما البريد، فيمثل مرفقاً آخر يحتاج إلى إعادة تفعيل دوره في خدمة أبناء المنطقة، ولا سيما في ما يتعلق بالخدمات البريدية والمعاملات التي يحتاج إليها المواطنون، بما فيها الخدمات المرتبطة برواتب المتقاعدين، وفق طبيعة الخدمات المتاحة للمركز
ويأمل الأهالي أن تسهم إعادة تفعيل هذه المؤسسات في تخفيف أعباء التنقل، وتوفير الوقت والتكاليف وتسهيل إنجاز المعاملات داخل مدينتهم، بدلاً من اضطرارهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مراكز خدمية أخرى.
إن معالجة هذا الملف لا تتطلب تأهيلاً عمرانياً فحسب، بل تستدعي أيضاً توفير الكوادر البشرية والتجهيزات الفنية والإدارية، ووضع خطة واضحة لإعادة تشغيل المؤسسات المتوقفة وفق الأولويات والاحتياجات الفعلية للسكان.
* القطاع الزراعي.. ارتفاع تكاليف الإنتاج وخسائر بسبب غمر الأراضي
إلى جانب التحديات الخدمية، يواجه القطاع الزراعي في التبني صعوبات متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين مستلزماته، ولا سيما مادة المازوت التي تشكّل عنصراً أساسياً في تشغيل المضخات والآليات الزراعية.
وأوضح التايه أن ارتفاع أسعار المازوت أسهم في تعثر زراعة مساحات واسعة من الأراضي ما ينعكس على قدرة المزارعين على مواصلة نشاطهم الزراعي وتحمل تكاليف الإنتاج.
وزادت الأمطار من صعوبة الواقع الزراعي، بعدما تسببت بغمر نحو ألفي دونم من الأراضي المزروعة بمحاصيل القطن والشعير العلفي والبرسيم والذرة الصفراء، وفق ما ذكره رئيس مجلس المدينة.
ولم تقتصر آثار الأمطار على الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى حركة المرور على طريق دير الزور – الرقة، عند جسري الخان والسحل، قبل أن تتدخل الجهات الخدمية والدفاع المدني بالتنسيق مع البلدية لمعالجة آثارها وإعادة حركة المرور إلى طبيعتها.
ويضع هذا الواقع القطاع الزراعي أمام تحديات تتطلب متابعة الأضرار التي لحقت بالمحاصيل، وتقييم احتياجات المزارعين، إلى جانب العمل على تخفيف أعباء الإنتاج وتأمين مستلزماته، بما يساعد على استمرار النشاط الزراعي وحماية مصادر رزق العاملين فيه
*المياه.. تحسن في الإمدادات وشبكة تحتاج إلى الصيانة
في قطاع مياه الشرب سجلت المدينة تحسناً مقارنة بالفترة السابقة بحسب رئيس مجلسها إلا أن هذا التحسن لم يصل إلى جميع الأحياء بالمستوى المطلوب إذ لا تزال منطقة الوسعة وآخر حي الجواسمة تعانيان من ضعف وصول المياه.
وأشار التايه إلى أن شبكة المياه تحتاج إلى أعمال صيانة في عدد من النقاط، بهدف الحد من الهدر وتحسين كفاءة التوزيع وضمان وصول المياه إلى المنازل بصورة أفضل وأكثر انتظاماً
وتبقى معالجة هذه المشكلة مرتبطة بتحديد مواقع الخلل في الشبكة وتنفيذ أعمال الصيانة اللازمة ومتابعة واقع التوزيع في الأحياء التي لا تزال تعاني من ضعف الإمدادات
فبالنسبة إلى السكان لا يُقاس تحسن الخدمة بمجرد تحسن عام في الإمدادات بل بمدى وصول المياه إلى مختلف الأحياء واستقرارها، بما يلبي الاحتياجات اليومية للأسر ويخفف أعباء تأمينها
* الكهرباء.. تحسن في التغذية ونقص في المحولات
أما واقع الكهرباء، فقد شهد تحسناً مقارنة بالفترات السابقة، وفق التايه، غير أن بعض المناطق ما زالت بحاجة إلى تركيب محولات إضافية لتخفيف الضغط عن الشبكة وتحسين الخدمة.
وتشمل الاحتياجات مناطق المسطاحة والشارع الرئيسي وحي شيحة، حيث يرى مجلس المدينة أن تركيب المحولات اللازمة من شأنه المساهمة في معالجة الاختناقات وتحسين واقع التغذية الكهربائية.
ويبرز هذا الملف أهمية التنسيق بين البلدية والجهات المعنية بقطاع الكهرباء لتحديد الأولويات الفنية، وتوفير التجهيزات اللازمة وفق حجم الطلب، بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من السكان من التحسن في الخدمة.
* المدارس.. ترميمات مستمرة وأبنية تنتظر التأهيل
في القطاع التعليمي، يبلغ عدد المدارس في مدينة التبني نحو 14 مدرسة، تعمل منها قرابة عشر مدارس، فيما تتواصل أعمال ترميم المدرسة المُحدثة في منطقة جبيلة
لكن احتياجات القطاع لا تزال قائمة إذ أشار رئيس مجلس المدينة إلى ضرورة ترميم وتأهيل المدرسة الإعدادية في شيحة ومدرسة الوحدة العربية، بما يساعد على توفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب والكوادر التدريسية.
وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية خاصة في ظل ضرورة الحفاظ على جاهزية الأبنية المدرسية وضمان سلامتها وقدرتها على استيعاب الطلاب، إلى جانب استكمال أعمال الصيانة المطلوبة في المدارس التي تحتاج إلى تدخلات إضافية.
ويستدعي ذلك تحديد حجم الأضرار والاحتياجات الفنية لكل مدرسة، ووضع أولويات واضحة لأعمال التأهيل، بما يضمن استمرار العملية التعليمية في ظروف مناسبة.
* المستوصف المرمّم.. مبنى جاهز وخدمة لم تبدأ بعد
وفي القطاع الصحي، تبرز قضية المستوصف الذي أُنجزت أعمال ترميمه لكنه لم يُفتتح حتى الآن بحسب رئيس مجلس المدينة
وأوضح التايه أن المنظمات الصحية تقدم خدماتها المتاحة من خلال مقر البلدية، في حين تتوافر في المدينة سيارة إسعاف بحالة فنية جيدة، إلى جانب نقطة للدفاع المدني
ورغم أهمية هذه الإمكانات، فإن إعادة افتتاح المستوصف تبقى خطوة ضرورية لتعزيز الخدمات الصحية داخل المدينة، وتسهيل وصول الأهالي إليها، والحد من الحاجة إلى التنقل إلى مناطق أخرى للحصول على الرعاية الطبية.
ويطرح تأخر افتتاح المرفق الصحي سؤالاً حول المتطلبات المتبقية لوضعه في الخدمة وما إذا كانت العقبة تتعلق بالتجهيزات الطبية أو الكادر البشري أو الإجراءات الإدارية، وهي تفاصيل تحتاج إلى توضيح من الجهات الصحية المعنية.
فإنجاز أعمال الترميم يمثل مرحلة مهمة، لكن الاستفادة الفعلية من المبنى تبقى مرتبطة بتأمين التجهيزات والكوادر اللازمة وبدء تقديم الخدمات للمواطنين.
النظافة والبلدية.. إمكانات محدودة أمام احتياجات المدينة
* في ملف النظافة، تحتاج مدينة التبني إلى عدد إضافي من حاويات القمامة، فضلاً عن تأمين ضاغطة للنفايات تساعد على تحسين عمليات الجمع والترحيل والحد من تراكم المخلفات في الشوارع والأحياء.
وأشار التايه إلى أن البلدية تعاني أيضاً من نقص في الكوادر الإدارية والفنية والخدمية، موضحاً حاجتها إلى سائق وجابٍ وفني وشرطي بلدية، إلى جانب دعم الكادر العمالي والموظفين.
وتنعكس محدودية الآليات والموارد البشرية على قدرة المجلس على متابعة احتياجات المدينة وتنفيذ الأعمال اليومية ولا سيما في مجالات النظافة والصيانة ومراقبة الخدمات العامة
ومن هنا، فإن تحسين الواقع البيئي لا يرتبط بتوفير الحاويات والآليات وحدها، بل يتطلب أيضاً تأمين الكادر القادر على تشغيلها ومتابعة العمل، ووضع آلية منتظمة لجمع النفايات وترحيلها، بما يحافظ على النظافة العامة ويحد من المشكلات البيئية.
* تجمع طريق الزاوية.. احتياجات أساسية تنتظر المعالجة
ولا تتوقف التحديات عند الأحياء الرئيسية في المدينة إذ أشار رئيس مجلس المدينة إلى وجود تجمع سكاني على طريق الزاوية في الجهة الجنوبية الغربية من التبني، نشأ خلال فترة الثورة، ولا يزال يعاني من غياب خدمات أساسية، في مقدمتها الكهرباء ومياه الشرب.
ويضع هذا الواقع التجمع ضمن المناطق التي تحتاج إلى متابعة خدمية خاصة، بهدف تقييم احتياجات سكانه وإدراجها ضمن خطط الجهات المعنية، بما يضمن وصول الخدمات الأساسية إليهم.
وتبقى الأولوية في هذا الملف لتحديد الاحتياجات الفعلية ودراسة الحلول الفنية الممكنة لتأمين المياه والكهرباء، والعمل على معالجة الفجوات الخدمية التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للسكان.
* المؤسسات العامة والثقافية.. مطالب بإعادة الدور الخدمي
إلى جانب السجل المدني ومقسم الهاتف والبريد، يطالب مجلس المدينة بإعادة المجمع إلى مقره في التبني، وإعادة تنشيط المركز الثقافي وتوسيع أنشطته بما يعزز حضور المؤسسات العامة في المدينة ويسهّل وصول المواطنين إلى خدماتها
وأوضح “التايه” أن المركز الثقافي كان يعمل من خلال غرفة داخل مبنى البلدية، بوجود موظف وموظفة، قبل إيقاف الموظفة من قبل مديرية الثقافة، فيما لا يزال الموظف موجوداً
ويبرز هذا الواقع الحاجة إلى معالجة أسباب محدودية عمل المركز وتوفير الظروف اللازمة لاستئناف أنشطته الثقافية، بما يتيح للأهالي الاستفادة من البرامج والفعاليات التي يمكن أن تسهم في تنشيط الحياة الثقافية والاجتماعية في المدينة
كما أن إعادة المؤسسات العامة إلى مقارها وتفعيل خدماتها من شأنهما تخفيف الضغط عن المراكز الموجودة في مناطق أخرى والحد من مشقة التنقل وتعزيز قدرة السكان على إنجاز معاملاتهم ضمن نطاقهم الجغرافي.
التبني أمام استحقاقات خدمية واضحة.. من المسؤول عن استكمال الحلول
تكشف احتياجات مدينة التبني عن مجموعة من الملفات التي تتفاوت بين خدمات شهدت تحسناً وتحتاج إلى استكمال، ومرافق أُنجزت أعمال تأهيلها لكنها لم تدخل الخدمة ومؤسسات ما زالت متوقفة بسبب نقص التجهيزات أو الكوادر
ففي حين تحتاج شبكات المياه والكهرباء إلى صيانة وتجهيزات إضافية، تنتظر مدارس ومرافق صحية استكمال التأهيل أو بدء تقديم الخدمات، بينما يبرز ملف المؤسسات العامة بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحاً نظراً لارتباطه المباشر بمعاملات المواطنين اليومية
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تحرك منسق بين مجلس المدينة والجهات الخدمية والإدارية المختصة، يقوم على تحديد الأولويات وتوضيح أسباب التأخير في المشاريع والمرافق التي لم تدخل الخدمة ووضع جداول زمنية واقعية لاستكمال الأعمال المطلوبة
كما تبرز أهمية الإعلان عن الإجراءات المتخذة لإعادة تشغيل السجل المدني ومقسم الهاتف والبريد، وتحديد الاحتياجات اللازمة لتشغيل المستوصف المرمّم، إلى جانب تأمين آليات النظافة والمحولات الكهربائية وصيانة شبكة المياه وتأهيل المدارس.
إن معالجة هذه الملفات لا تعني الاكتفاء بإطلاق الوعود أو تسجيل الاحتياجات، بل تتطلب الانتقال إلى خطوات تنفيذية واضحة ومتابعة دورية لما تحقق منها بما يسمح للأهالي بمعرفة ما أُنجز وما لا يزال ينتظر التنفيذ
وفي مدينة التبني، لا يقتصر مطلب الأهالي على تحسين بعض الخدمات، بل يمتد إلى استعادة دور المؤسسات العامة وضمان استمرارية المرافق الأساسية وبين ما تحقق من تحسن وما لا يزال عالقاً يبقى السؤال المطروح أمام الجهات المعنية متى تتحول هذه الاحتياجات إلى خطوات عملية ومتى يستعيد المواطن حقه في الحصول على الخدمات وإنجاز معاملاته داخل مدينته، دون أن يضطر إلى قطع المسافات بحثاً عنها
مراسل الفرات – محمد الطراد
قد يعجبك ايضا





