في دير الزور، كان رمضان يأتي محملاً برائحة الخبز الدافئ، وصوت المدفع البعيد، وضحكات الأطفال التي تسبق أذان المغرب، لم يكن الصيام مجرد عبادة، بل حكاية يومية نعيشها ببراءة، ونختبرها بقلوب صغيرة تؤمن أن لكل تعب مكافأة.
كان اليوم الأول يعني اجتماع العائلة حول مائدة واحدة، وجوه يلمها الشوق، وأحاديث تعيد ترتيب الروح، ثم تتوزع الأيام بعزائم بين الإخوة والأخوات، فيبقى الشهر خيطاً من اللقاءات، وكان الجيران يتبادلون الأطباق تحت مسمى “الصبة” فتصل المحبة قبل الطعام، ويشعر الجميع أنهم عائلة واحدة.
اليوم، يقف غلاء الأسعار دون حسيب أو رقيب، كجدار يفصل الناس عن تلك الطقوس، لم يعد كثيرون قادرين على دعوة بعضهم، ولا عادت الأطباق تتنقل بين البيوت كما كانت، فالكلفة أثقلت القلوب قبل الجيوب، الموظف يتأخر ليؤمّن قوت يومه، والأب يحسب خطواته في السوق بحذر.
ورغم ذلك، يبقى رمضان مساحة للذكرى والأمل، يذكرنا بأن الدفء الحقيقي لم يكن في كثرة الطعام، بل في القلوب التي كانت تتسع للجميع.
اسماعيل النجم