الجامع الحميدي في الرقة.. ذاكرة أقوى من الركام

في قلب الرقة القديمة  ينهض الجامع الحميدي بوصفه أحد أبرز معالم المدينة الدينية والتاريخية، شيد الجامع عام 1896 في أواخر العهد العثماني، بعد أن ضاقت الرقة بمسجدها القديم نتيجة التوسع العمراني وتزايد عدد السكان، فجاء القرار ببناء جامع كبير يتسع لأهالي المدينة ويجمعهم تحت سقف واحد، وقد صدر فرمان التشييد عن السلطان عبد الحميد الثاني، ليحمل الجامع اسمه ويغدو رمزاً من رموز تلك المرحلة.

لم يكن الجامع الحميدي مجرد مكان للعبادة، بل شكل عبر عقود طويلة مركزاً اجتماعياً وثقافياً احتضن حلقات العلم ومناسبات الناس، وكان شاهداً على تفاصيل الحياة اليومية في الرقة، ومع مرور الزمن تعرض البناء العثماني لأضرار جسيمة، إذ لم يبق منه سوى المئذنة، بعدما أدّى ترميم غير مدروس إلى انهيار أجزاء واسعة منه، قبل أن يأتي القصف خلال سنوات الحرب ليقضي على ما تبقى من معالمه التاريخية.
ورغم الدمار، لم تغب روح المكان، فقد بادر أهالي الرقة مدفوعين بارتباطهم العميق بالجامع، إلى إعادة بناء مسجد جديد فوق الأرض ذاتها، في محاولة لاستعادة رمز فقدته المدينة، وكما تذكر مصادر تاريخية محلية، فإن المئذنة اليتيمة بقيت واقفة لسنوات، كأنها حارس الذاكرة يذكر الأجيال بما كان هنا يوماً.
اليوم يعود الجامع الحميدي ليأخذ مكانه في المشهد العمراني، لا بوصفه حجارة فقط، بل باعتباره ذاكرة حيّة تختصر تاريخ الرقة وتحولاتها، هو مسجدٌ كُتب عليه أن يُهدَم ويُبعث من جديد، ليبقى حاضراً في وجدان أهل المدينة، ودليلاً على أن الذاكرة أقوى من الركام.
الفرات

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار