أطفال في الحسكة على الأرصفة… وطفولة خارج الصفوف

في إحدى عيادات الأطباء بمدينة الحسكة، لا يلفت انتباهك المرضى بقدر أولئك الأطفال المنتشرين في الزوايا والممرات، طفل يحمل رزمة محارم، وآخر يمد يده بعلبة بسكويت، وثالث يعرض عبوة ماء بصوت خافت، كأنما يخجل من عمره قبل أن يخجل من مهنته.
مشهد يتكرر في الكراجات، عند إشارات المرور وأمام المحال، أطفال لم يعرفوا طريق المدرسة، أو عرفوه ثم أُجبروا على مغادرته، بينما يحمل أقرانهم حقائبهم المدرسية كل صباح، يحمل هؤلاء عبء إعالة أسرهم على أكتاف صغيرة لم تكتمل بعد.
عندما تنظر في عيونهم، لا ترى فقط فقراً، بل ترى طفولة مؤجلة، وأحلاماً تم استبدالها بلقمة عيش، ليسوا متسولين بالمعنى التقليدي، بل عمال صغار في سوق قاسٍ لا يرحم، يسعون خلف أي مصدر رزق في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة تعصف بأسرهم.
السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه: ما المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال؟
طفل يعمل اليوم بدل أن يتعلم، قد يكبر وهو يفتقد أبسط المهارات التعليمية، ما يجعله أكثر عرضة للبطالة، أو العمل الشاق، أو حتى الانحراف، إن عمل الأطفال لا يسرق الحاضر فقط، بل يهدد المستقبل الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع بأكمله.
لا يمكن تحميل الطفل ذنب ما يحدث، فالمسؤولية تقع على واقعٍ فرض عليه أن يكون رجلًا قبل أوانه، هنا يبرز دور الأسرة، والمؤسسات، والمنظمات الإنسانية، وحتى المجتمع المحلي، في حماية هؤلاء الأطفال وإعادتهم إلى أماكنهم الطبيعية: المدرسة لا الشارع.
أطفال الحسكة، وغيرهم في مدن كثيرة، لا يحتاجون إلى شفقة عابرة أو قطعة نقدية، بل إلى حلول حقيقية تضمن لهم التعليم، والأمان، وحقهم في طفولة كريمة، فالأمم لا تُقاس بثرواتها، بل بكيفية حمايتها لأضعف أفرادها.
حجي المسواط

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار