“يوم السليقة”.. طقس قروي يجمع أهل الحسكة حول مؤونة الشتاء ورائحة البركة

مع انقضاء موسم الحصاد في ريف الحسكة تبدأ طقوس إعداد “السليقة”، وهي عادة سنوية متوارثة تعكس روح التعاون والتكافل بين الأهالي، وتهدف إلى تحضير مؤونة البرغل التي تُعدّ من أساسيات المونة الشتوية في الريف.

تبدأ التحضيرات بتحديد كمية القمح التي تكفي حاجة العائلة للعام، ثم تأتي مرحلة “التصويل” أي غسل القمح بالماء جيداً لإزالة الغبار والشوائب، بعد ذلك يُجهز مكان السلق المعروف بـ “التفيّة”، حيث تُرتب الأحجار وتوضع فوقها القدر الكبيرة المخصصة لسلق القمح، وتُشعل النار بالحطب تحتها في مشهد يملأ المكان بدخانٍ تعبق منه رائحة التراث.
يُسكب الماء فوق القمح حتى يغمره، ويُترك ليغلي لساعتين تقريباً، حتى تنتفخ الحبات وتُغَطى بقطعة قماش لتختمر وتكتمل نضوجها على البخار، بعدها تُنقل السليقة إلى أسطح المنازل النظيفة لتجف تحت أشعة الشمس يومين أو أكثر، قبل أن تُعبأ في أكياس وتُرسل إلى “الجاروشة” أو الطاحونة لطحنها، فيُنتج منها البرغل بنوعيه:
الناعم المستخدم في “الكبة النية” و”التبولة”.
الخشن الذي يُطبخ مع العدس أو البندورة أو الشعيرية.
يوم السليقة لا يُعتبر مجرد عمل منزلي، بل مناسبة اجتماعية مفعمة بالفرح والمشاركة، إذ يجتمع الجيران لمساعدة بعضهم في غسل القمح أو نقله أو نشره، وتُوزع أطباق السليقة الساخنة على البيوت القريبة والبعيدة، خصوصاً للأطفال، إيماناً بأن البركة تزداد كلما شارك الناس في الأكل منها.
وهكذا تتحول “السليقة” في أرياف الحسكة من مجرد إعدادٍ للمونة إلى طقس شعبيٍّ يجسد قيم التعاون والكرم، ويحافظ على نكهة الريف وذاكرته الجماعية.
حجي المسواط

 

 

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار