على مر العصور ظهر أشخاص خلدهم التاريخ ، منهم من قيل ، ومازال يُقالُ عنهم أنَّهم عُظماء لما حملوه من رسالةٍ وأفعال هَزَّت العالم ولأن التاريخ يُصنع بمواقف الرجال الذين يثبتون على الحق ، ولا يفرطون في المبادئ والثوابت مهما كان حجم التحديات؛ لأنهم يدركون أن عواقب التفريط باهظة الثمن، وأن التهاون قد يجعل الأوطان لقمة سائغة للطامعين وأصحاب المصالح والنفوس الدنيئة وهذا حال المجاهد رمضان شلاش :
ولد المجاهد رمضان باشا شلاش عام 1882م في قرية الشميطية غربي دير الزور وكانت متصرفية مستقلة ملحقة مباشرة بعاصمة السلطنة العثمانية تعلم في الكتاتيب وأخذ قيم البداوة الأصيلة من بيئته وهي عامل مهم من عوامل تفتح شخصيته وتمسكه بكل ما هو أصيل ، وفي عام 1892 م أرسله والده إلى استانبول للدراسة في مدرسة العشائر العربية التي افتتحها السلطان عبدالحميد وتخرج منها سنة 1897م ليلتحق بالمدرسة الحربية لمدة ثماني سنوات ويتخرج برتبة ملازم خيال .
وفي عام 1907م انتخب عضواً في مجلس العشائر العثماني وعين حاكماً عسكرياً للجبل الأخضر ومقره بنغازي وأثناء خدمته في الموصل انتسب إلى جمعية الضباط العرب الأحرار وكانت جمعية سرية تنادي باستقلال البلاد العربية عن الدولة العثمانية بعد أن اندلعت الثورة العربية في 10 حزيران 1916 عين الضابط رمضان الشلاش قائداً للسرية الخامسة في لواء الهجانة في المدينة المنورة عينه الأمير فيصل بن الحسين قائد الجيش الشمالي وفي عام 1919م عينته الحكومة العربية وبالتعاون مع جمعية العهد العربية حاكماً عسكرياً على الرقة والفرات والخابور ومقره في منطقة الرقة من أجل التهيئة لثورة عارمة لطرد الانكليز من دير الزور وقاد حملة عسكرية من ثلاثة آلاف مقاتل حيث استطاعت تلك القوة من احتلال دير الزور وحرر المناطق حتى (عانة) في العراق وأعاد دير الزور إلى الوطن الأم سورية .
وفي عام 1920م قابل الأمير فيصل ملك سورية في دمشق وكلفه فيما إذا هاجمت القوات الفرنسية سورية بإشعال نار الثورة في منطقة الفرات ووقف رمضان وعشائر الفرات في وجه الحملة العسكرية الفرنسية القادمة من حلب بقيادة القومند انترانكا يرافقه أحد زعماء البدو البارزين وبعض المرتزقة من الذين باعوا ضميرهم ودارت معركة حامية في منطقة عياش غربي دير الزور بين قوات رمضان الشلاش والقوات الفرنسية وفي عام 1921م أصدرت الإدارة العسكرية الفرنسية حكماً بالإعدام على رمضان شلاش حيث هرب إلى شرق الاردن بعد معركة ميسلون وشكل قوة لتحرير سورية وعندما علم الأمير عبد اللّه بذلك أمر بتفريق القوة.
وفي عام 1925م عندما اندلعت الثورة السورية الكبرى كان رمضان الشلاش من أوائل الضباط السوريين الذين التحقوا بها وبعد عبر الحدود الأردنية مع مجموعة من الفرسان وقابل الزعيم سلطان باشا الاطرش حيث عهد إليه بقيادة قوات الثورة في المنطقة الشرقية وكانت أولى أعماله تحرير تدمر والاستيلاء عليها وطرد الفرنسيين منها وقفل راجعا إلى جبل العرب وطلب من زعماء الثورة الخروج من دائرة الجبل الضيقة من إسباغ الصفة الوطنية على الثورة وبالفعل كان رمضان الشلاش أول من شكل قوة عسكرية من الدروز ورابط فيها في منطقة المرج والغوطة واحتل الضمير والهيجانة والرحيبة والمعظمية وجيرود والنبك ودوما وتمت محاصرته في منطقة سلمية والقوا القبض عليه حيث نقله الفرنسيون إلى بيروت ووضعوه في الإقامة الجبرية في عهد المفوض الفرنسي دي جوفنيل وذلك في أواخر كانون الثاني 1926م وبقي 1937م عندما أصدر الفرنسيون قراراً بالعفو عن الثوار .
وفي عام 1942م عندما كان في مسقط رأسه في دير الزور قامت القوات الفرنسية بعملية غادرة وجبانة حيث اغتالت ابن عم رمضان الشلاش فثار ومعه خمسة عشر ألف فارس في منطقة البصيرة ودامت الثورة شهراً كاملاً ولم تنته إلا باحتجاز حريته مرة ثانية حيث قبضوا عليه ونقلوه إلى بيروت مرة ثانية لكي يوضع تحت الإقامة الجبرية حتى عام 1946 م وبعد جلاء القوات الفرنسية عاد إلى أرض الوطن وتوفي عام 1961م .
لقد أدهشت انتصارات رمضان باشا الشلاش الإنكليز، فقال عنه ونستون تشرشل رئيس المستعمرات البريطانية آنذاك ورئيس الوزراء البريطاني سابقا :
إن لبريطانيا العظمى عدوان، لينين في الشمال وهو قائد الاتحاد السوفيتي و رمضان الشلاش في الجنوب .
مامون العويد