يصرُّ تنظيم “قسد” على كتابة تاريخه بمداد من دماء الأبرياء في حلب، فبعد أن سقط مشروعه دولياً وانكشفت حقيقته الإجرامية، لم يعد يملك ورقةً يلعبها سوى افتعال الأزمات واستهداف المدنيين، محاولا بثَ الحياة في جثته السياسية عبر تصوير جرائمه على أنها “مقاومة” و”بطولات”.
فأين البطولة في قصف الأحياء السكنية؟ لليوم الثالث على التوالي، يجدّد التنظيم تصعيده العسكري، مستهدفاً أحياءً سكنية في حلب مثل الليرمون ودوار شيحان بالرشاشات الثقيلة والقذائف، هذه الهجمات العشوائية أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين بين قتلى وجرحى، وبينما كان المدنيون يبحثون عن ملاذ آمن، ويبذل رجال الجيش العربي السوري والدفاع المدني والقوى الأمنية جهوداً جبارة لتأمينهم، أفادت محافظة حلب بأن التنظيم منع الأهالي من الخروج، في محاولةٍ صريحة لاستخدامهم دروعًا بشرية لاستمرار عملياته، أهذه هي البطولة؟ أن يجعل المسنّ العاجز والطفل البريء درعًا يحتمي خلفه المسلح؟
وأين البطولة في استهداف المستشفيات ومراكز العلاج؟ لا يتورع التنظيم عن توجيه ضرباته إلى أبسط مقومات الحياة، فقد استهدف مستشفى في حي بستان الباشا بقذيفة سقطت على بوابته الرئيسية، كما أدى قصفه العشوائي إلى استشهاد موظفتين في مركز للبحوث العلمية الزراعية، هذه الهجمات لا تُعيق تقديم الخدمات الطبية للطوارئ فحسب، بل تهدد حياة المرضى والأطباء على حد سواء، حيث أفاد طاقم طبي بأن اشتباكات التنظيم استهدفت مستشفاهم بالرصاص وقذائف الهاون، ما أجبرهم على إيقاف العمل وإغلاق الطرق المؤدية إليه.
التنظيم الذي يسيطر على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، يستخدم موقعه الاستراتيجي لزرع الرعب في المدينة بأكملها، فحي الشيخ مقصود يمثل بوابة إلى معظم أحياء حلب المهمة، وبدلاً من أن يكون منطلقاً للسلام، حوّله التنظيم إلى منصة لقصف الأحياء المجاورة مثل الميدان والخالدية، ما تسبب في نزوح آلاف المدنيين من منازلهم وسط الذعر.
عندما تختزل “البطولة” في اصطياد امرأة مسنة على عكازها، أو حرمان رضيع من الحليب، أو جعل المستشفى ساحة قتال، فإننا أمام أبشع تحريف للمفاهيم، إنه إجرام لا يستند إلى أي مشروع سياسي شرعي، بل إلى استمرار وجوده على أنقاض معاناة الناس.
آن الأوان لأن يدرك من بقي من مناصري هذا التنظيم أن مستقبلهم لا يبنى بقتل جيرانهم في حلب، وأن الواجهة التي اختبأوا خلفها قد سقطت، ولم يعد أمامهم سوى أرشيف من الجرائم سيبقى شاهداً عليهم أمام التاريخ وشعب سوريا الذي يعرف جيدًا الفرق بين البطولة الحقيقية وبين النذالة المقنعة.
الفرات