إيفرا..عندما تُفبرك الرواية وتسقط المصداقية

ما جرى في قضية الفتاة إيفرا الصالح لا يمكن التعامل معه كخطأ إعلامي عابر، بل يمثل نموذجاً صارخاً لكيفية صناعة التضليل وتدوير الروايات السياسية تحت عناوين إنسانية براقة.
فبين فبركة خبر “اختطاف” نُشر على عجل، وحقيقة تجنيد ظهرت لاحقاً، سقطت أقنعة كثيرة، وتبدّت إشكاليات أعمق تتعلق بالمهنية والمصداقية ودور الإعلام.
في البداية، سارع “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي يديره رامي عبد الرحمن، إلى تبني رواية اختطاف فتاة من محافظة حمص، مع توجيه اتهامات مباشرة للأجهزة الأمنية السورية، وهي صيغة باتت مألوفة في تقاريره.
لم يتأخر تداول الخبر، إذ تلقفته منصات إعلامية متعددة دون تحقق كافٍ، ما أسهم في خلق حالة من التعاطف المشحون سياسياً، ورسّخ رواية جاهزة في أذهان المتلقين.
غير أن ظهور إيفرا الصالح لاحقاً في مناطق الجزيرة السورية، وتأكيد تجنيدها رسمياً في صفوف ميليشيا “قسد”، قلب المعادلة رأساً على عقب. هنا لم يعد السؤال عن مصير فتاة فحسب، بل عن مصير الحقيقة نفسها. كيف تحولت قصة اختطاف إلى عملية تجنيد؟ ومن يتحمل مسؤولية تضليل الرأي العام؟ ولماذا غابت هذه المعلومة الجديدة عن المنصات التي سارعت سابقاً إلى نشر الاتهام؟
القضية تكشف خللاً بنيوياً في طريقة تعاطي بعض المنصات مع الأخبار، حيث يتم التعامل مع تقارير المرصد وكأنها حقائق نهائية لا تقبل التشكيك أو المراجعة، رغم سجل طويل من الانتقادات التي طالت حياديته، واتهامه بتبني روايات تتقاطع في كثير من الأحيان مع خطاب ميليشيا قسد وأجنداتها السياسية.
الأخطر في هذه الحادثة أنها تفتح الباب مجدداً للحديث عن ملف تجنيد القاصرين، وهو أحد أخطر الانتهاكات التي تُتهم بها ميليشيا قسد، ورغم ذلك غالباً ما يُهمّش أو يُبرر إعلامياً تحت مسميات مختلفة، فبدلاً من تسليط الضوء على هذه الجريمة، جرى تحويل الأنظار إلى اتهام سياسي جاهز، ما وفر غطاءً معنوياً لممارسة انتهاك جسيم بحق طفولة مسلوبة.
إن تكرار هذا النمط من الأخبار يفرض على وسائل الإعلام، محلية كانت أم دولية، مراجعة عميقة لمعاييرها المهنية، والتوقف عن لعب دور الناقل الأعمى للتقارير المسيسة. فالإعلام، حين يتخلى عن التحقق والتوازن، لا يصبح شاهداً على الحقيقة، بل شريكاً في تزويرها.
الفرات

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار