(امريكا .. ويتجدد الفشل )

الدكتور خيام الزعبي

 بعد أن فشل الرهان الأمريكي على الربيع العربي لإسقاط الدولة السورية وبعد أن غامر الرئيس ترامب بكل رصيده، سواء محاولته لإستغلال التحولات الكبرى، أو ضعف الدول العربية وشرذمتها، وخلافاتها التي وصلت إلى حدود التحالف مع القوى الغربية، أو من خلال  مساندته  ودعمه للدواعش أينما كانوا، تيقن الغرب أن الفشل في سورية هو سيد الموقف لذلك قرر ترامب سحب قواته العسكرية من الأراضي السورية وإجلاء جميع الموظفين الأمريكيين في وزارة الخارجية الأمريكية خلال 24 من سورية الأمر الذي يشير على أن واشنطن أمام إستراتيجية جديدة.

 

خلال الأزمة في سورية كانت أمريكا صاحبة الحضور الأبرز فيها والممول والمستفيد الأول من نتائجها، وعندما أدركت فشل وكلفة المواجهة مع القوى الإقليمية والدولية، خاصة بعد المواجهة مع روسيا، وبعد تعثر إستراتيجيتها في العراق ورهانها على جماعات مسلحة لم تنجح في تغيير المعطيات في الميدان السوري، ولطالما أرادت واشنطن فرض منطقة آمنة في شمال سورية ، وبالتالي القضاء على الحلم الكردي بربط المناطق السورية الثلاثة على الحدود التركية من الحسكة شرقاً إلى عفرين على ساحل المتوسط غرباً. 

 

هذا التحول في موقف أمريكا الذي تتبلور دلالاته الآن، يعود بالدرجة الأولى إلى تغيرات حاسمة وعميقة تجاه الأزمة السورية ومراجعتها الجذرية لسياساتها في المنطقة، إذ تسير واشنطن على رمال متحركة فى المنطقة، ليس هناك سبب واحد وراء هذا، بل هناك أسباب عديدة متشابكة، أهمها فشل سياسة ترامب، وسقوط جميع العمليات الإرهابية التي جرت وتجرى داخل سورية في تحقيق أي أهداف أو مكاسب سياسية، فلو تابعنا المسار الذي رسمته واشنطن  في سورية والتي وضعت به كل إمكاناتها، نجد بأنها خسرت رهانها وإن سياستها  تجاه سورية في حالة يرثى لها وتعاني من ضربات مستمرة، فاليوم هناك  فارق هائل في قراءة المشهد السوري، إنطلاقاً من وقائع الميدان، فبعد سيطرة الجيش السوري على مختلف المدن السورية بشكل كامل، بدت المسألة أقرب الى الحسم النهائي من أي وقت آخر، بذلك تبدو واشنطن المتضرر الأكبر وهي تراقب إعادة تشكيل المنطقة على وقع تنسيق روسي ــــ  إيراني وتطورات ميدانية قلبت الموازين على الأرض السورية.

 

في السياق ذاته إن الإدارة الأمريكية بعدما إستنفذت كل ما لديها من أساليب لإسقاط سورية، وباءت جميع محاولاتها بالفشل، بدأت تلملم أوراقها وأصبحت تمارس الضغط على الدول لوقف تمويل ودعم الإرهاب، وكما تؤكد على أنه لا بديل عن الحل السياسي للأزمة السورية، وتمرر بين الفترة والأخرى تصريحات تؤكد على ضرورة التعاون مع الدولة السورية للقضاء على داعش، ما يعني أن واشنطن  في مرحلة تغيير سياستها الخارجية، كون التوقعات التي خططت لها جاءت في غير صالحها، وهذه الوقائع خلقت واقع جديد بحيث أصبحنا حقاً على قطار التسوية التي يفرضها واقع تغير الميدان القتالي في سورية، وهذا يعتبر إنتصاراً إستراتيجياً حقيقياً لسورية ولحلفائها وإنتصاراً لشعوب المنطقة علی الإرهاب والتطرف.

 

في هذا الإطار....من الطبيعي أن تفشل تركيا في سورية، و لعل أنقرة قد إكتشفت مؤخراً أن صعود الشجرة السورية ليس سهلاً، لذلك بدأت البحث عن مخرج من الوضع الصعب التي وجدت نفسها فيه خلال السنوات الأخيرة،لذلك لم يبقى أمام أردوغان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلا أن يتراجع عن سياساته الداعمة لداعش وأدواتها، والإنخراط في التسويات والترتيبات الإقليمية والدولية التي تهدف لمواجهة الإرهاب من خلال وقف الدعم اللامحدود الذي تقدمه للتنظيمات المسلحة و وقف تدخلها في الشؤون الداخلية السورية.

 

مجملاً......لقد ظن الأمريكان إن السوريين غير قادرين على طرد وسحق تنظيمهم الإرهابي الذي جاؤوا به، فإذا بالسوريين يثبتون للعالم أجمع بأنهم قادرين على هزيمة داعش ومن يقف وراءها، ويبرهنوا إنهم حملة عقيدة ومقاتلين أقوياء لا يقف أمامهم شيء فهزموا داعش وأخواتها ووجهوا ضربة قاسية للإستراتيجية الأمريكية في سورية، لذلك نقول ونحن على يقين ثابت ومستقر بأن واشنطن تواجه صعوبات هائلة لتحقيق أهدافها التي لم تكن تتخيلها في سورية، بجيشها القوي وشعبها المصمم على الوقوف خلفه بكل قوة، وفي إطار ذلك يمكنني التساؤل، هل ستسقط الولايات المتحدة بتهورها أم تجر ذيول الهزيمة والإذلال؟ وهو الثمن الذي ستدفعه نتيجة أخطاءها في سورية وسعيها الفاشل لإسقاطها، وإنطلاقاً من كل ذلك، يجب على أمريكا إعادة النظرة في الرهانات السياسية الخاطئة قبل فوات الأوان خاصة بعدما بدأ الجيش العربي السوري يزداد تقدماً إلى الأمام ويلقن العدو الدروس في الصمود والثبات، لذلك فإن الأيام القليلة القادمة ستشهد مفاجأت مهمة تعمل على قلب الموازين في المنطقة بأكملها.

Khaym1979@yahoo.com

 

العدد: 
4153
النوع :