لم يسلم منهم الحجر … تخريب وتشويه ممنهج لآثار دير الزور واستهداف الهوية الحضارية للمدينة

العدد: 
4144

 

تحقيق- خميس سويد

تعرضت آثار دير الزور، كحال بقية المواقع الأثرية السورية في المناطق المحرّرة، إلى تجمعات التنقيب العشوائيّ. الأمر الذي أدّى إلى تدمير وتشويه عدد كبير من تلك المواقع، إضافةً الى اختفاء ما تحويه من كنوزٍ أثريةٍ بمختلف أصنافها ولعل اكثر الفترات ضرراً تمثلت في زمن داعش الغابر الذي سمح بعمليات  التنقيب واستخراج اللقى الأثرية مقابل ضريبةٍ خاصّةٍ تقدم له إلى جانب قيامه نفسه بعمليات الاستخراج العبثي والتسويق الهادف إلى تمويل أعماله الارهابية.

"الفرات" في هذه المادة الصحفية تلقي الضوء على واقع أثار دير الزور خلال السنوات العجاف واجراءات المديرية العامة للأثار والمتاحف في حمايتها وتوثيقها.

•           تخريب بقصد التنقيب

الحفر والتشويه والتجريف كان العنوان العريض لحجة التنقيب المدفوع بشهوة المال والإثراء ناهيك عن التدمير الممنهج بدافع الافكار التكفيرية تعرضت له أثار مناطق دير الزور حيث كانت ورش الحفر تستخدم أدوات الزراعة وحتى الآليات الثقيلة في سبيل ازالة الطبقات الاولى من الارض الامر الذي يلحق تشويها كبيرا في خارطة الموقع الاثري بأكمله وضياع ملامحه الحضارية والتاريخية.. كل ذلك في سبيل الوصول إلى الكنوز المنتظرة بصرف النظر عن أهمية بقاء الموقع وعدمه . فالعابث الحاقد الطامع اللاهث وراء المعادن الملونة لا يعرف قيمة التاريخ في توثيق الاصالة والعراقة والهوية الوطنية ذلك انها مفردات لا تعيش في وجدانه الجاهل المريض!!

•           اجهزة وخبراء شعوذة ..!!

كحال كثير من التنظيمات الارهابية المسلحة تنتشر مظاهر الفوضى والجهل وتتكاثر سريعا كالفطر في اية منطقة ترخي عليها ظلالها السوداء. في حمى التسابق إلى استباحة المواقع الاثرية في تلك المناطق المنكوبة برزت ظاهرة استخدام "تقنيات" الشعوذة والسحر التي يزعم غالبية المنقبين أنها وسائل ناجعةٌ للاستدلال على أماكن اللقى والتحف إلى جانب استجلاب اجهزة كشف المعادن والبحث عن المومياءات، لوجود الزئبق الأحمر في حناجرها، والذي يعدّ من المواد المطلوبة، لما يُعتقد أن له من قوّةٍ سحريةٍ ترتبط بتقوية القدرة الجنسية لدى الذكور! كما انتشر عن هؤلاء المنقبين المشعوذين!!

•           تجارة سوداء مزدهرة

بطبيعة الحال لا توجد لدينا أرقامٌ أو إحصائياتٌ تشير إلى أعداد التحف واللقى المستخرجة من المنطقة، لكننا استقينا مادتنا من الذاكرة الشعبية وتقارير رسمية صادرة ومنشورة عن  المديرية العامة للأثار والمتاحف، ولأن عمليات البيع كانت تتمّ بشكلٍ سرّيٍّ، كما هو معلوم. وقسمٌ كبيرٌ منها من المعتقد أنه قد يتمّ بيعه لتجارٍ محليين، يتواصلون بدورهم مع تجارٍ في الخارج. ذلك ان المسروقات والمستخرجات لا مكان لتسويقها إلا في مناطق الفوضى. بهذه الصورة الوحيدة الوضيعة يبدو انه كانت تتم جريمة بيع التراث الأثريّ للمنطقة.

•           دائرة اثار المحافظة ..جهود محمودة

"الفرات" تواصلت مع مدير اثار  دير الزور والمشرف على المتحف الوطني بالمحافظة السيد أحمد الصالح والذي قدم لنا ملخص وافي عن حال المواقع الأثرية في المنطقة.

يقول الصالح: جميع المواقع الاثرية في دير الزور وقعت تحت سيطرة المسلحين الأمر الذي جعلها  بشكل عام عرضة لتجاوزات كبيرة وتخريب ممنهج كان الهدف منه تدمير تاريخ المنطقة. ولعل أبرز تلك المواقع ماري _ دورا أوروبس وهي أوابد أثرية مشهورة على لائحة التراث الانساني. كذلك تدمير جزئي في قلعة حلبية وتنقيب عشوائي في محيط الموقع ومنطقة المدافن وتجريف تل طابوس الأثري إلى جانب أعمال النهب والسلب لبيوت البعثات القائمة في كثير من المواقع.

في السياحة الدينية تعرضت كافة المقامات للهدم و التدمير على أيدي داعش و خصوصا مئذنة عين علي. و مقام انس و مقام الاربعين و تكية الراوي.

داخل مدينة دير الزور لم تسلم المباني التراثية من التدمير والهدم وحتى النقل بمبنى السرايا وقيادة الشرطة و البوابة العثمانية.

وعن واقع متحف دير الزور الوطني بيّن الصالح ان بناءه ومحتوياته بحالة جيدة وهنا لا بد من  العرفان للجهود الكبيرة التي بذلها الجيش العربي السوري في حماية المواقع الاثرية و ما قدمه من تضحيات في حماية متحف دير الزور الوطني. كذلك الجهود المشكورة لمديرية الزراعة بدير الزور التي قامت بتنظيف اجزاء من حديقة متحف دير الزور الوطني و تأهيلها.

وفي سؤال عن موعد إعادة افتتاح المتحف أمام الزوار أوضح مدير أثار دير الزور انه منذ فك الحصار عن دير الزور وتحريرها شكلت المديرية العامة للأثار والمتاحف بدمشق لجنة ضمت كوادر من الآثاريين المختصين وصلت إلى المحافظة وقامت بإجراء تقييم أولي للأضرار وتوثيق مجمل الدمار الحاصل في المواقع التي أمكن الوصول اليها كذلك إنجاز دراسة لترميم متحف دير الزور الوطني و بجهود من السيد محافظ دير الزور و السيد المدير العام للآثار و المتاحف تم رصد مبلغ لإعادة تأهيل متحف دير الزور  عن طريق وزارة الثقافة  ونحن بإنتظار الموافقة على البدء بترميم متحف دير الزور الوطني و اعادته للعمل في القريب العاجل. كما ستباشر دائرة اثار دير الزور قريبا بإعداد الدراسات اللازمة لترميم منطقة الاسواق القديمة في المدينة. لافتاً إلى ان المديرية العامة كما عودتنا جاهزة للتعاون مع كافة الجهات الحكومية و المنظمات الدولية التخصصية التي تهدف للمحافظة على الارث الثقافي و الأثري في مدينة دير الزور.

•           تقرير اللجنة .. وتوصياتها

في تقرير رسمي لها منشور على صفحتها الرسمية حول وضع الآثار بدير الزور أكدت مديرية الأثار أنها كشفت على جميع المواقع والتلال الأثرية الهامة، وسعت إلى اتخاذ تدابير إضافية للحفاظ عليها، بالاشتراك والتعاون مع المجتمع المحلي.

 المواقع والتلال الأثرية الواقعة على ضفتي نهر الفرات الممتدة من مدينة دير الزور وصولاً لموقع ماري:

-           تل السن: تل أثري يقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات ضمن أراضي قرية مراط ناحية البصيرة، على بعد 11 كم شرق مدينة دير الزور، تدل الحفريات الأثرية التي جرت في التل على وجود مدينة تعود للعهد البيزنطي، وعلى استيطان قديم يرقى للعصر الحجري المتأخر. لوحظ وجود تنقيبات سرية في منطقة المدافن البيزنطية الواقعة إلى شمال وشرق الموقع.

-           ‌موقع البصيرة (قرقيسيا) : مدينة أثرية تقع على الضفة اليمنى لنهر الخابور عند التقائه بنهر الفرات، وتقوم البلدة الحالية فوق تل أثري  يبعد 40 كم جنوب شرق مدينة دير الزور. باعتبار أن تل البصيرة واقع ضمن مدينة البصيرة (أي يوجد كثافة كبيرة للبيوت فوق التل)، فقد بدأ الأهالي تشييد منازلهم بشكل عشوائي غير منظم ضمن المساحات المتبقية من التل، إضافة إلى تشييد منازل بيتونية بدل المنازل القديمة.

-           ‌قلعة الرحبة  تقع على هضبة عالية 231 م فوق سطح البحر،  يعود تاريخها إلى الفترة العباسية، بناها مالك بن طوق التغلبي، يحيط بها خندق، وسور خارجي. لم يتعرض الموقع للسرقة أو التخريب باستثناء وجود مخالفات بناء كثيرة ضمن الحرم الأثري.

 

-           موقع العشارة (ترقا): مدينة أثرية هامة في وادي الفرات، ١٥ كم جنوب شرق مدينة الميادين. المشكلة المتجذرة في تل العشارة أن جميع أهالي المدينة يتمركزون فوق التل الأثري منذ فترة طويلة، وقد عانت الإدارات المتعاقبة من هذه المشكلة، فالأهالي يرفضون البناء خارج محيط التل، وقد تبين من خلال الكشف أن الأهالي بدؤوا بتشييد عمارات طابقية فوق التل، وصلت إلى أربعة طوابق، ولبناء هذه العمارات يلزم أساسات بحفر عميقة تؤدي إلى تخريب السويات الأثرية، إضافة إلى تشييد الأبنية ضمن الحرم من الجهة الغربية على الطريق المؤدي إلى جسر العشارة، فالوضع بالعشارة كان سيئاً جداً، وزارد خلال الأزمة فيما يتعلق بإشادة المنازل المخالفة.

-           تل المصايح: يقع على الضفة اليسرى للفرات ضمن بلدة الطيانة، وهو كبير المساحة وقليل الارتفاع. يعود إلى فترة الألف الخامس ق.م وحتى العصر الإسلامي. لوحظ مؤخراً تخريب في مربعات التنقيب بهدف التنقيب السري، وشوهدت عدة حفر عميقة في أنحاء متفرقة بالتل لنفس الهدف.

 

-           موقع الصالحية "دورا أوروبوس": مسجل بالقرار 102 / آ تاريخ 9 / 7 / 1968،المنطقة العقارية الصالحية22 تقع آثار الصالحية (دورا أوروبوس) على طريق دير الزور - البوكمال على الضفة اليمنى لنهر الفرات، يعود تاريخ هذا الموقع إلى الفترة الهيلنستية حوالي 300 ق.م، حيث بناها سلوقس نيكاتور وأسماها أوروبوس إشارة إلى مسقط رأسه في اليونان. أهم معابدها معبد الإله بل، معبد أدونيس،أرتميس، وكنيسة قديمة، وفيها مسرح وقبور وأبراج .نهب لصوص الآثار الموقع وبيت البعثة الذي يضم نماذج غير أثرية، وبعد الاتصال مع وجهاء بلدة الصالحية تم استرجاع الكثير من محتويات بيت البعثة ووضعت في مكان آمن، كما تم نهب وتخريب المتحف الدائم بالموقع، وهُدمت جدران كثيرة كانت قد رُممت سابقاً في الموقع.

-           مملكة ماري أشهر وأهم المواقع الأثرية في شرق المتوسط. تنتصب فوق تل الحريري على الضفة اليمنى للفرات، ضمن بلدة السيال الشرقي . تعرض الموقع لأعمال تنقيب عشوائي في كافة أنحائه،  ونُهب بيت البعثة، كما خرّب اللصوص الترميمات ضمن قصر زمري ليم، التي نفذتها سابقاً المديرية العامة للآثار والمتاحف والبعثة الفرنسية العاملة بالموقع. وتدمير السقف الذي بني لحمايته من العوامل الطبيعية إضافة إلى أعمال تخريب في كل أرجاء الموقع على يد الإرهابيين الساعين إلى تدمير الذاكرة الحضارية السورية. بيد أن التاريخ الانساني سيبقى يذكر ماري كواحدة من أقدم مدن العالم التي بنيت بعد الطوفان حيث اكتشفت البعثات الوطنية والأجنبية التي عملت في الموقع الحالي للمملكة الكثير من الأبنية والتماثيل والكنوز الأثرية علاوة على الارشيف الملكي الذي وجد في قصر زمري ليم وتألف من ألف رقيم طيني كتبت باللغة الاكادية اعادت كتابة تاريخ المشرق العربي من جديد.

 

•           الإجراءات التي تم اتخاذها:

على إثر المشاهدات والملاحظات على التلال والمواقع التي تمت زيارتها من قبل لجنة المديرية العامة، أفادنا مدير أثار المحافظة بأنه تم فتح عدة جبهات عمل للحفاظ على المواقع الأثرية، وذلك لخبرة دائرة آثار دير الزور بالمنطقة والصداقات التي بنيت أثناء العمل الميداني بالمواقع الأثرية، وشملت التدابير:

    التوجه إلى وجهاء عشائر في منطقة الريف الشرقي للمحافظة، لتوعية الأهالي وحثهم على المساعدة في حماية المواقع الأثرية وعدم التعرض لها كلٌ حسب موقعه الجغرافي.

    التوجه إلى رجال الدين في منطقة الريف الشرقي لتوعية الناس ضمن المجالس الدينية وخطب الجمعة بأهمية الحفاظ على المواقع والتلال الأثرية وحرمة تخريبها كونها ملك لكل الناس، وتمت الاشارة إلى الرسالة التي وجهها السيد المدير العام إلى فعاليات المجتمع السوري عبر موقع المديرية العامة على الانترنت.

    تشكيل جبهة عمل مع المثقفين والمهتمين بالآثار والتراث في الريف الغربي والشرقي لدير الزور للمحافظة على المواقع من التخريب والسرقة، من خلال توجيه وتوعية الأهالي بضرورة مشاركة المجتمع المحلي في حماية المواقع والتلال الأثرية على امتداد هذه الرقعة الجغرافية كلٌ ضمن قريته وبلدته.

    الاتصال مع جميع العمال الذين تم استخدامهم من قبلنا بمنطقة الريف الغربي، والطلب إليهم حماية المواقع الأثرية وإخبارنا بكل جديد يحدث ضمن تلك المواقع.

الاتصال مع رؤساء البلديات لنشر التوعية اللازمة لأهالي مناطقهم وإشراكهم في حماية المواقع الأثرية التابعة لهم.

 

•           إجراءات خجولة لوزارة السياحة

كان ل"الفرات" اتصال مع السيد محمد رشيد ضياء الدين الخلف مدير السياحة بالمحافظة في سؤال عن المواقع الأثرية التي تضم بعض الانشاءات والتصنيف السياحي حيث بيّن ان معظم المنشئات السياحية بدير الزور خارجة عن الاستثمار والخدمة نتيجة التخريب والدمار الذي خلفه الارهاب. امام هذا الواقع، يضيف الخلف جاء تحرك مديرية السياحة في اطار تنفيذ استراتيجية الوزارة في مرحلة اعادة الاعمار حيث تم انجاز جولة تصوير عدد من المواقع الاثرية ذات التصنيف لسياحي وتوصيف الحال القائم لها!!

•           كلمة لا بد منها

تزخر منطقة الفرات بأوابد أثرية هامة توثق هوية المنطقة والارتقاء التاريخي لها. هنا يكمن السر الكامن وراء استهدافها المنهجي من قبل العصابات الارهابية المسلحة. أمام هذه القيمة يبدو من الأهمية بمكان إيلاء تلك الكنوز أولوية قصوى في تدابير الحماية حتى تبقى أثارنا شواهد قائمة ومصابيح هدى لأجيالنا على عظمة ذاكرة الوطن.

الفئة: