دير الزور .. نحو الحياة

 

يحق لأهالي دير الزور الفرح بأشكاله و ألوانه ، فرح الخلاص من أعتى أشكال الإرهاب ، يحق لهم عيش صباحات الفرات الجميلة مع رغيف خبز التنور وهدوء لياليه الصافية .

ما حدث في دير الزور من تحرير صنعه أبطال الجيش العربي السوري ليس أمراً عادياً ، ولا هو بالحدث العابر ، هو خلقٌ جديد لحياة الديريين الذين عاشوا المأساة الحقيقية ، تحرير للإنسان قبل الأرض ، عاش الديريون فترة سيطرة المجموعات المسلحة وآخرها ( داعش ) الفوضى بمعانيها كافة ، بدءاً بسرقة خيرات أراضيهم ، مروراً بتدمير البنى التحتية ، وليس انتهاءً بتحويل بعض ( إنسانهم ) وحوش قتل وذبح ، ثورة فوضى حلت في ديارهم و ثورة إسلام مزيف أرخص ما في قاموسها الإنسان .

الخلاص من الظلاميين مفرحٌ جداً كما رأيناه في عيون أطفالنا وفي عيون الكبار نساء ورجال ، غير أن هذا ليس نهاية الطريق ، فالأزمة التي نمر بها على مستوى الفرد والمجتمع والدولة تدعونا للتدبر واستخلاص العبر وقراءتها جيداً للوصول إلى تحصين الوطن ككل من أي اختراق ، لا أعتقد عاقلاً سورياً ليس في تفكيره أن ما جرى علينا في هذه السنوات المؤلمة لن يكون الاستهداف الأخير ، فالقضايا التي تحملها سورية وتؤمن بها ولأجلها تُستهدف وتحاصر هي هي ، والعدو هو هو ، والمؤكد أن الاستهداف سيكون و إنْ بأشكال و أساليب وطرق جديدة ، والمفترض بالضرورة خوض غمار التنقية لما شاب فكر إنساننا في كافة مفاصل نشاطه ومن قبل كافة المستويات ، سواء على مستوى المؤسسة الدينية أو التعليمية أو التربوية ، وليس المستوى الإعلامي بآخرها كحامل لطيف واسع من إمكانات التوعية ، فمن أين نبدأ ؟

أنبدأ بالموروث في نصه الديني الذي لعب دوراً محورياً في عملية التهييج وتسطيح عقول الناس ، الموروث الذي قدمت فهمه تنظيمات التكفير مقلوباً مشوهاً يتعكّز تأويلات مغلوطة ، فجاءت بالموت لتقبر الحياة ( بالذبح جيناكم ) ، وزرعت البؤس بدل الفرح ، وعملت جاهدة بالحديد والنار لتُعيد حاضرنا إلى زمن ماض بلا حراك في مستنقع من الدم بلا جهات ، ولعل مسألة الحاكمية كانت محور التزييف ، فهل سنصارح أجيالنا أن مسألة الخلافة حالة تاريخية وأن شكل الحكم وإدارة الدول يتغير مع تغير الزمن ، ارتباطاً بقراءة واقع الناس وحاجاتهم وفق مفردات كل عصر ، أي أن نصوص الحاكمية بالتأكيد تنزل للواقع بمفرداته المصوغة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ووو ، لا أن نلوي عنق النصوص وفق رغبات وفهم مجموعة معينة ترى أن فهمها هو الإسلام بعينه ، هل سنؤكد الحقيقة بأن الخلافة ليست تشريعاً إلهياً ، بل هي خطوة للصحب الكرام ( رضوان الله عليهم ) في إدارة الدولة بعد وفاة النبي ( ص ) ، وبالتالي تجربة بشرية لم يُسبغ أحد منهم عليها الحالة التشريعية ؟!

أم نبدأ من شرح فكرة ( المعارضة ) بأنها حالة طبيعية وحاجة مطلوبة شرط أن تُمارس تحت سقف القوانين الناظمة لهذا الحق الإنساني ، لا أن تُمارس اعتباطاً فتؤدي للفوضى والضياع ، المسؤولية هنا تكون على عاتق السلطة السياسية ومن ينطبق عليه توصيف المعارض ، فليست المعارضة ممارسة لاستجلاب الأجنبي مهما كان الخلاف بين الطرفين ، ولاهي حرق وتخريب وتدمير بنى الدولة التحتية مهما كان ما يُساق من تبريرات ، ولا هي المدعومة والمتبناة من قبل طرف خارجي له مواقف مضادة من الوطن وسياساته ، ولاهي التي تلجأ للسلاح في تنفيذ مشروعها ، هل سنصل إلى أن المعارضة بناء وتغيير نحو الأفضل تسقط ويسقط الوطن إذا ما نهجت منهج الإلغاء على قاعدة ( الملائكة والشياطين ) و ( نحن وهم ) التي لاحظناها فترة الأحداث ، المعارضة باختصار عندما يتهدد وطنها بخطر يجب أن تكون في خندق السلطة للدفاع لا خنجراً في الظهر يقتنص الفرص ، فهل سيكون ما هو مفترض أم سندور من جديد في حلقة مفرغة ؟!

النصر يكتمل مع اكتمال وعي إنساننا وقدرته على تشخيص الحدث جيداً ، التحية لأبطال جيشنا العظيم الذي سطر أروع ملاحم التضحية والفداء ، والتحية لأرواح الشهداء الذين صنعوا بدمائهم نصرنا الفراتي لتعود عروس الفرات نحو الحياة .

 

عثمان الخلف

الكاتب: 
عثمان الخلف
العدد: 
4048
النوع :