مسرحية "اللاش" لـــ خلف عامر.. صورةٌ ثلاثيَّة الأبعاد

العدد: 
4035

سراج جراد

شغلت الأنا منذ اللحظة الأولى لخلق الأب (الرّوح) آدم عليه السَّلام، صراعاً أزليّاً بينه وبين (إبليس) العدوّ الأزليّ، عندما تضخَّمت أناه وصاح بأعلى صوته: (أنا خيرٌ منهُ)، وكانت(الأنا) سبباً للعنة الله عليه إلى يوم الدين.

وتتوالى أفعالها للوجود الأوَّل لابني آدم( هابيل وقابيل) لتشكَّلَ مرضاً حقيقيَّاً يتحوّل نتيجةً كارثيَّةً ضحيَّتها(هابيل) وصراخ آدم بأعلى صوته:

ومالي لا أجودُ بسكبِ دمعي      وهابيلٌ تضمّنهُ الضَّريحُ

وتتجلى كطغيان في أعلى صورته، بل وتكون طوفاناً يهدِّدُ كلَّ مَنْ يقفُ بوجهه، حيث تبرز واضحةً في قول فرعون: (أنا ربُّكمُ الأعلى)

أما (نارسيس) فمن الطَّبيعيّ أن تتصاعد لديه (أناه) وهو يراها مجسَّدةً واضحةً جليَّةً في أبهى صورة على نبعِ ماء.

وتتوالى (الآهات) تتبعها (الأنا) متجسدةً بفعلٍ مرَّةً، وقولٍ مرةً أخرى، وبحركة مقصودة أو عفويَّة مرّات عديدة، والحكايةُ لم تنتهِ بعد، بطلُها الآن (مالئ الدنيا وشاغل النّاس) صديقنا المتنبّي، وقد ملأ صوته الدنيا بـــــ (أنا) الشّاعر المتعجرفة، وسواءٌ أتفقنا معه أم اختلفنا.... فقد كانت سبباً مباشراً في مقتله، أليسَ هو القائل:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني    والسَّيفُ والرّمحُ والقرطاسُ والقلمُ

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي     وأسمعت كلماتي مَن به صممُ

وتتوالى بشكل لا متناهي (أنا) الذّات، منذ اللحظات الأولى لإدراك الإنسان وعيه، وبدء تلفظه بـــــ (ياء المتكلِّم)، (كتابي- دفتري – قلمي – نقودي)، إلى ما لا نهاية.

وهي، أي (الأنا) سواءٌ أكانت حقيقيَّة أم مزيَّفة، فآثارها لا تنقضي، وعجائبها لا تنتهي، وهي بابٌ واسعٌ ومدخلٌ كبير لأشياء لا تعدُّ ولا تُحصى، ولعلّنا أسهبنا، لكن للحديث توابع...

مسرحيَّة (اللاش) أو (اللا شيء) للكاتب خلف عامر، وهي نصٌّ مسرحيٌّ (مونودرامي)، (ممثِّل وحيد) تجسِّد أبعاداً نفسيَّةً عميقةً في النَّفس البشريَّة، ولعلَّ الإيحاء الأوَّل الذي يطالعُنا في البداية، هو صورة المرايا الأربعة المتناثرة في الصّالة، لتبعث في نفوسنا، صورة نارسيس الأوَّل، الذي أُعجب بذاته التي أدمن على رؤيتها فمات بسببها.

*المرايا المهشَّمة، الذات الممزَّقة التي تبحث لتلمَّ شتاتها عبر السنين، فقد أتعبها التِّرحال، وأنهكها التجوال.

*المرايا المصغَّرة: التي تحاول ألا تقبل ذاتها كما هي، بل تبحث عن اللامعقول في مدار الممكن.

*المرايا الضَّبابيَّة: التي لا ترى الأشياء على حقيقتها بل تحاول تلميعها بالشَّكل التي ترتضيه.

*المرايا الحمراء "لون الدم": نتائج ما اقترفت من آثام بحقها.

*شاشة العرض الكبرى: لتبصرَ نفسها بالشَّكل التي تحب، إنَّ تدافع حركاتها وتقلباتها توحي بعدم السكون، ولعلَّها نقطة البداية والارتكاز التي أرادها الكاتب.

تبعث الموسيقا المرافقة من خلال بوحها خلجات النفس اللا مستقرَّة، النفس غير الرَّاضية والتي لا تبحث عن الرضا ولا يهمها، والحركات والسّكنات التي تتابع كلّها من أجل إبراز شيء واحد أراد الكاتب تجذيره من خلال التكرار.

صوت(الأنا) غير المستقر عكست لنا مدار اللغة المتصاعد من خلال البوح والحركة، فالأنا تبوح لذاتها، وتتشكَّل من خلال الحركات والتّصرّفات المتكررة في الصّورة الواحدة:

«لا تكن لاشاً، أو رقماً في سجلات الحضور، وأنت غائبٌ .. ومغيَّبٌ .. في (الزَّمكان)، ستدور عليك النّوائب.. وستولدُ من مسماتك.. كل أنواع المصائب.. هيّا.. هيّا.. لملم الأجزاءَ .. وأعد ذاتك لذاتك.. كن أنتَ المسيِرْ.. لا المسيَّرَ .. هيّا ..هيّا».

هذه اللغة التي أرتكز عليها الكاتب لتكون يده التي تبطش بالأنا، وتكون عصاه التي يلملم بها شتاتها، إنَّها آهات النفس المتعبة بما كبَّلت به ذاتها من أوهام.

ثم يتتابع سيل المفردة التي تعطينا توصيفاً عميق الدِّلالة، وهو بتعبير آخر، الأداة والمبضع التي استخدمها الكاتب لمعالجة قضيته الرَّئيسة التي طرحها لينفردَ في النِّهايةِ بحلَّها، فهل من الممكن أن تكون اللغة علاجه؟!

«يا أنا.. يااااااا ، أنا.. مَنْ قزَّمك؟!

ويكون الجواب من جنس النداء: «توقَّف عنك، تُبْ عنْ نَقْصِكَ الفطريّ، عن أوهامِكَ العَجْفاءِ .. أأنتَ أنا؟!».*1

«اتركوا تغريبة غيّبتكم... زرعت فيكم دوامة الوهم.. عودوا إليَّ نزرعُ بالحبِّ ذاكرة المكان».

نداءات الفطرة تتجلّى واضحةً جليَّةً من خلال اللغة المكثَّفة التي تحاول الولوج في عمق الأنا المثقلة والمتعبة بالآهات والأنّات وماضي الذّكريات القديم الذي يشكِّل حلقة وصل بينه وبين الهروب من وهمه.

«لِمَ أنت ضبابيَّة.. لم أرَ ذاتي .. لِمَ أنتِ ضبابيَّة.. حدَّ النّزف.. ردّي عليّ.

الحركة المتتابعة للغة، تفرضُ إيقاعها، فعلى الرّغم من صغر المكان (المسرح) إلا أن اتساعها المفرط في المفرداتـ عمل توازناً طبيعيَّاً  عند المتلقي، فهي _ أي اللغة- تتمدَّد حسب إيقاع المفرد، وبالتالي هي قادرة على تجسيد النّص:

«وحيداً بعيداً عن الذَّاكرة..أدرتَ لي الظهر عند الأسي

وخانتك فطنتك النادرة..

 تعاميتَ عنّي وغيَّبتني..

 ودارت عليَّ بك الدَّائرة»

فعولن، فعولن، فعولن، فعول.. من خلال هذا الجرس الموسيقيّ المتسارع في المقطع الشِّعريّ السّابق، كما أوحت به تفعيلاته المتسارعة، يتبيَّنُ لنا التّصاعد اللغويّ الدراميّ، وحالة (اللاش) المتسارعة في البحث عن الذات بين ثنايا الضياع والتّشتت.

حالة الاستيقاظ غير المتوقَّعة عند (اللاش) هي مطلب الفطرة التي تريد العودة لنداءات الجذر الأوَّل للولادة وهذ ما يوحي به قول الصَّدى:

( أترضيك قسمةُ مَن قسَّمه؟

وهذا الجفاف بوادر إثم..

يُشمِّسُ شهوتهُ الظالمة..

لذا الـ" اللاش" صوتٌ....

ومالَكَ والشِّعر والأوسمة؟!!

هو الرِّيح.. أغلقْ عليهم فمه.)

هذه اللغة المنسابة في عمق النَّصّ، تكاد تكون رمزه وعنوانه، وهي على قوَّتها، وسهولتها استطاعت أن تقتحم عمق الأنا بهدوء، فنحنُ أمام نصٍّ مسرحيّ يذكّرنا غير بعيد بالرِّواية الخالدة (العنبر رقم 6) لأنطون تشيخوف، حيث يغوص بنا صاحبها في مجاهيل النَّفس البشريَّة، ليطلعنا على كوامنها ومكنوناته.

استطاع خلف عامر وبكلِّ جدارة أن يحوِّلَ النّصوص التي اتَّكأ عليها في نصِّهِ المونودراميّ، إلى نصٍّ مفعمٍ بالحيويَّة والحركة والدَّهشة، من خلال تقنيّاته اللفظيَّة التي استعملها ليزاوجَ بينه وبينَ النصوص الأخرى، فكانت قالباً واحداً مُجسِّداً لتقلبات النّفس البشريَّة التي تمتلئ بكلِّ مقوِّمات الانفتاح واللا متناهي مع الوجود.

استطاع عامر أن يغوص بنا إلى أعماق النَّفس البشرية مرَّة، وأن يُحلِّق بنا في مداراتها ومعارجها مرّاتٍ عديدة، وكأنَّهُ خبير ببواطن النّفس، عارفٌ بأسرارها.

ويبقى لنا تساؤلٌ: يحقُّ لنا أن نسألَ عنه!! وهو إشكاليَّة التَّنفيذ والإخراج، فعادة تعتمد النّصوص المونودراميَّة على التَّكثيف، وبراعة الممثِّل في تصوير وتجسيد النَّصّ الموجود وتحويله إلى رؤية حقيقيَّة ، وبقدر ما استطاع أن يجسِّد الكلام المكتوب، والقضيَّة المطروحة كلما كان العمل متكاملاً، ويكون مفتاح العبور إلى قلب المتلقي.

قضيَّة تجسيد وتمثيل النَّصّ وتحويله إلى صورة مرئيَّة تبقى إشكاليَّة بين يديّ المخرج والممثل أمام نصٍّ يتمتَّعُ بروحٍ اللغة العالية التي تحتاج كما أسلفنا إلى براعة ليظهر بالشكل المناسب.

يُذكر أن قصيدة ( اللاش) هي مَن ثوَّرت وألحّت على الكاتب ليبوحَ بمفرداته وليوظِّفها في نصِّه المسرحيّ لما فيها من دلالات متناقضة وجوهريّة ساعدت في بروز نصٍّ أدبيّ متكامل الصّفات.

هوامش:

هامش (1) نصّ الدكتور أحمد التيهاني.

هامش (2) حسن ناجي رئيس اتحاد الكتاب الأردنيين، فرع إربد.

الفئة: