الغنائيَّة الشعريَّة في " نجمة وهلال " لشاعر الطفولة جمال علوش

العدد: 
4022

يشكلُ الشِّعر الغنائي جُزءاً كبيراً في ديوان العرب، حيثُ تمثلت القصيدة العربيَّة الغنائيَّة في كلِّ تعبير ذاتي وجداني، ارتبط في جوهره بالغناء والموسيقا، والبوح العاطفيّ، وقد تطوَّر هذا اللون تبعاً لتطوّر الحضارة الإنسانيَّة.

والغنائيَّة قد تتمثَّل في الأغنية والنَّشيد ، وفي قطعة شعريَّةٍ سهلة التَّعبيرات، واضحة المضمون، خفيفة الإيقاع، تصلح للحفظِ والإيقاع، كمت تصلح للتَّلحين والغناء، والأداء الفرديّ والجمعيّ، وهذا ما يجعلا تقتربُ من النّشيد، أو تتّفق معه، فهي تُغنَّى، وهو يُنشَد، وكلاهما يُصاغُ بأسلوبٍ لُغويٍّ مأنوس، يستجيب للموسيقا والتَّرنّم والتَّطريب، ويدور حول موضوع أو فكرة تمثِّلُ صورةً من صور الإبداع الفَنّيِّ التَّعبيريّ الذي يُثيرُ الوجدان.

يُقبلُ الأطفال على الشِّعرِ المـُغنَّى الذي يُصاغُ على بحور الخليل القصيرة، بتفعيلاتها السَّريعة، الرَّتيبة، نظراً لنا تتمتَّعُ به من طاقة موسيقيَّةٍ إيقاعيَّةٍ تُحققُ لهم مُتعةَ نفسيَّةً وراحة لازمة، إذ تسمح للطِّفل أن يستظهر القصيدة، ويتوقَّف في الإلقاء، عند نهاية كلِّ شطرٍ ليلتقطَ أنفاسهُ، كما تسمحُ له أن يستريحَ مع القافيةَ عند نهاية كلِّ بيت.

ونظراً لأهميَّة الإيقاع عدَّه علماء العربيَّة أحد أركان الشِّعر.

( نجمة وهلال) ... خصوصيَّة العنوان:

يحمل العنوان ( نجمة وهلال) لشاعرنا جمال علّوش، خصوصيَّة الدِّلالة، التي تعكس على مضمون قصائده، والعنوان بطبيعته عتبة نصّيَّة وعلامة دالّة على فحوى ما يليه، بغيةَ تحقيق هُويَّتهُ كمفتاح تأويليّ دِلاليّ يحمل قيماً ثقافيَّة ورسالةً لُغويَّةً واضحةً تصلُ إلى القارئ الصَّغير بيُسرٍ، فتغريهِ بارتياد عوالم القصيدة التي تنضوي تحت راية العنوان المرفرف على قِمَّتها:

حلوُ... حُلوٌ

شكلُ النَّجمةْ

دوماً تبدو لي مُبتسمة

وبجانبها الآنَ هلالْ

فضّيٌ في شكل

الزَّورقْ

يسبحُ في الليل

ولا يغرق

لقد حقَّق العنوان دِلالته من خلال النّصوص التي تتلفَّعُ بعباءة الرّومانسيَّة ، رافلة بغنائيَّة طفليَّة تعبيراً عن حالات الفرح والمرح والغناء والمتعة، وراسمة عالماً من الجمال والخيال الذي يألفهُ الطفل ويميل إلى التّعاملِ معه.

ولعلَّ أهمَّ ما يميِّز أشعار  جمال علّوش قدرته على تطويع الكلمة التي تناسب الطفل من حيث التكَّثيف والاختزال والحركية، وهذه مجتمعة، تكوِّن عندنا قصيدة يتعامل معها الأطفال بكلِّ سهولةٍ ويُسرْ، فقصائد الدّيوان كاملةً لا تحتاج أو لا يحتاج الطفل إلى معجم ليحلَّ مشكلةً لُغويَّة لمعرفة معنى مفردة أو ما شابه ذلك، بل المفردات جميعها في الديوان سهلة واضحة بسيط، يقرؤها الطفل ويُغنيها ويلحنها بسهولة، بل ويتراقص معها طرباً لاجتماع النَّصّ الذي يُمثِّل القصيدة الطِّفليَّة بكل وضوح.

والشَّاعر عندما نُخاطِبُ الطِّفل في المرحلة المبكِّرة، فإنَّ الأمرَ مختلفٌ، هنا يَتحوَّلُ الشَّاعر إلى فنّان يرسمُ بالكلماتِ لوحاتٍ في غايةِ الجمالِ، لأنَّ الطِّفل يُحبُّ الشِّعرَ ممزوجاً بأطيافِ قوسِ قُزَح، يُحبُّهُ مليئاً بالحركةِ والحياة نحو قول جمال علّوش في قصيدتِهِ (فراشة):

حَطَّتْ فَوْقَ الزَّهْرِ فَرَاشَةْ

قالَتْ في فَرَحٍ وبَشاشةْ:

أَنا بِنْتُ رَبيعٍ فَتّانْ

وَجَناحي مَعْرِضُ أَلوانْ

إنَّ اعتماد الشاعر معجمًا لُغَويًّا خاصًّا بالأطفال، يجعله ملتزمًا بقصيدة الطِّفل على مستوياتها المتعدِّدة، وهذا المعجم من سماته الرَّئيسة احتواؤُه على جميع المفردات التي تهمُّ الطِّفل وتجعله أكثر درايةً ووعياً بمحيطه وثقافته ومعلوماته، لأنَّ كلَّ مرحلة من مراحل نموِّ الطِّفل لها خصوصيَّتها اللّغويَّة، ولغتنا العربيَّة مليئةٌ بالجمال، والشَّاعر قادرٌ على كتابة قصيدته بدون أن يحتاج الطِّفل معجمًا لُغَويَّاً لشرح مفردات القصيدة الصَّعبة، فاللفظة الجميلة تكون وسيلةً من وسائل التَّجسيد الفنّيّ، إلى جانب اللّون والصَّوت والحركة والصُّور والرّسوم، حين يستعملها الطِّفل مع بعض الصِّفات الواضحة، وقصيدة (عُصفور) مثالٌ يُجسِّد اهتمام الشَّاعر بمعجمهِ اللّغويّ، وسلامته من المفردات الصَّعبة التي من شأنها أن تُشكِّلَ عبئاً على الطّفل في أثناء القراءة:

في صُبْحٍ عَذْبٍ مَسْحورْ

حَطَّ على الشُّرْفَةِ عُصْفورْ

أَخْرَجَ في فَرَحٍ مِزْمارْ

أَسْمَعَنا أَحلى الأَشْعارْ

قالَ: صَباحَ الخَيْرِ، وَطَارْ

فالشَّاعر من خلال مفردات قصيدته يُدرك العَلاقة السِّحريَّة بين المفردة وخيال الطِّفل، لأنَّ الطِّفل في مراحل تكوينه الأولى يُعدُّ حسَّاساً للصِّيغِ الصَّغيرة والأصوات المضحكة، فلا يصعب عليه أن يحفظ العلاقة اللّغويَّة الوثيقة التي يصوغها الشَّاعر من خلال مفرَدَتَـي (صُبْح، عَذْب) اللَّتين جاءَتا على وزن (فُعْل، فَعْل)، ثـمَّ (عُصْفور) على وزن (فعلول)، و(مَسْحور) على وزن (مفعول)، ثـمَّ الأفعال (حطَّ، أخرج، أسمع، قال، طار)، التي تُعبِّر بألفاظها على الحركة والحيويَّة والنَّشاط، فالجملة الفعليَّة من شأنها أن تدلّ على التغيُّر والحركة وتمنح النصّ الحيوية أكثر؛ إذْ تتبدّى في النَّصّ السّياقات الزّمانيّة والفضاءات

السّياقات الزّمانيّة والفضاءات الـحركيّة.

اللَّغة الطّفوليَّة في النَّصّ، واضحة جليَّة، لا أثر للتَّكلّف فيها أو لغرابة المفردات في تركيبها، وهذا من شأنه ألا يُعيقَ الفهم أو أن يكون عائقاً للغنائيَّة والاستمراريَّة عند الطِّفل، فاللُّغة السَّهلةُ موجودة، والطِّفل يعيشُ في قلب الحقيقة الشِّعريَّة، وهذه اللُّغة من شأنها أن ترتقي بالطِّفل نحو إدراك واقعه بشكل أفضل، ولا غرابة عندها أن يَفتَحَ علينا الطِّفل النَّافذة ويخاطبنا قائلاً:

عُصْفُورَةُ الدّوري

حَطَّتْ على السُّورِ

قالَتْ: صَباحَ الخَيرْ

يا وَرْدَةَ الجوريْ

وهنا يتحوَّل شاعر الأطفال إلى فنّان في اختيار الكلمة الجميلة، لأنَّ الأطفال بطبيعتهم يقفونَ مفتونين أمام الوردة (الجميلة)، ويقدرونَ على وَصْفِ ثوبها ذي الطَّيّات، وقلبها السَّاحر، وألوانها الزَّاهية، وعطرها الفوَّاح، لكنَّ الصِّفة (جميلة) من وجهة نظرهم تُلخِّصُ كلَّ هذه المحاسن، ويبدو أنَّها تحملُ في داخلها كلَّ جمال الوردة.

وعلى المستوى الإيقاعي للمفردات، نجد أنَّ للكلمة جِرسَها الخاصَّ والفاعل في أُذُن الطِّفل من حيث التَّلقّي، فكلَّما كانت القصيدة مُغنّاةً كانت قريبة في الولوج إلى قلب الطِّفل قبلَ أُذنه، فالـحركيَّة من أهمِّ خصائص قصيدة الطِّفل، فهي تناسب تكوينه الجسمانيّ إلى جانب تكوينه المعرفيّ واللُّغويّ، فإذا تكاملت عناصر الإبداع الثّلاثة (النَّصُّ واللُّغة والإيقاع)، أصبحنا قادرين على الإسهام في تنشئة الطِّفل لغويَّاً ومعرفيَّاً.

ما أجملَ منظرَ أسناني

تبقى دائمة اللمَعانِ

والسِّرُ بأنّي أرعاها

وأنظِّفها... لا أنساها

 

يسعى الإيقاع دائماً إلى خَلْقِ حالة تشبه كينونة الطِّفل، وطبيعته الفطريَّة في التَّعامل مع الأشياء، ففي الوقت الذي نقرأُ نحنُ قصصنا ورواياتنا ونحن على المكتب، ممسكين بقلم الرَّصاص، مُهيِّئين لأنفسنا كلَّ ظروف الرَّاحة والهدوء، نجد الطِّفل يرفض كل هذه التَّحضيرات غير المرغوب فيها، فتراه على سبيل المثال يقرأُ نصوصه على المرجوحة أو ماشياً أو هو يشاهد برنامجه المفضَّل، وربَّما نراه يحمل قصَّته وهو يلعب كرة القدم.

لقد حقَّقَت القصائد التي كتبها شاعرنا وظيفتها الإيقاعيَّة، فكانت مسرحاً يلعبُ فيه الأطفال ليغنّوها ويتراقصوا معها، وبذلك يكون قد وصل إلى مَهمَّة هامّة في خصائص قصيدة الطفل وهي ( الإيقاع).

الأديب سراج جراد

الفئة: