(الجول).. الحاضر الغائب في ذاكرة الديريين

العدد: 
4014

لا تزال طلعات الجول في ذاكرة الديريين التي اعتادوا عليها في فصل الربيع بدءا من منتصف شباط إلى منتصف نيسان، إذ تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع تدريجيا على اعتبار أن المنطقة صحراوية فيخرج أكثر من نصف أبناء المدينة يوم الجمعة ومنذ الضباح الباكر قبل شروق الشمس بساعة على أقل تقدير إلى (الجول) والمعروفة عند أبناء المنطقة بالمالحة وهي أرض في البادية السورية تقع على تخوم المدينة على طريق دمشق.

تختلف وسائل النقل التي تقلهم إليها فالبعض يستقلون السيارات الخاصة والبعض آليات الشحن وآخرون الباصات والميكروباصات والسرافيس بالأجرة ذهابا وإيابا وهناك من يستخدمون السوزوكي والطرطورة حتى عربة الحصان لها حضورها ناهيك عن الشباب الذين يستقلون الدراجات النارية والهوائية، لينتشر أبناء المدينة في مساحة لا تقل عن سبعين كم مربع على جانبي الطريق.

ما يميز طلعات الجول هو التشاركية أي أن تكون العائلة بكافة أفرادها من أخوة وأخوات وأبنائهم وأنسبائهم لتكون مائدة واحدة للجميع وغالبا ما يكون الشواء هو الحاضر على مائدة الغداء، حيث تقوم النساء بتجهيز التبولة فمنهن من تفرم البقدونس وهذه يلزمها مهارة والأصغر سنا تفرم  الخس والبندورة والخيار ومنهن من تنقع البرغل والأكثر خبرة هي من تقوم بالخلط وتجهيزها للأكل متحكمة بمقدار زيت الزيتون والملح والليمون، ناهيك عن وجود الفواكه والمشروبات والموالح والحلوى، إذ يترتب على كل أسرة من العائلات المشاركة إحضار صنف من المستلزمات بالاتفاق بينهم على ذلك.

وللأركيلة وورق الشدة وطاولة الزهر والشطرنج وكرة القدم حضور لا غنى عنه، ناهيك عن الألعاب الجماعية التي يلعبها الأطفال إضافة لطائرات الورق، أما الصبايا فلا يتركن مشاوريهن كالعادة، أما عن الطرب والزغاريد والدبكات والدربكة فحدث ولا حرج فكل عائلة تغني على ليلاها حسبما تهوى.

هناك عوائل تبدا رحلتها منذ يوم الخميس والمعروفة محليا بـ(البيّاتة)، حيث يقومون بنصب الخيمة، وهناك من يقومون بنصب بيت الشعر، كما أن البعض أشادوا غرفا من الإسمنت بمنتفعاتها لهذه الغاية، إلا أن المنغص الوحيد آنذاك هو الشباب الطائش على الدراجات النارية وما يقومون به من حركات بهلوانية معروفة للقاصي والداني على طريق المالحة في الذهاب والإياب ناهيك عن العجاج والمطر

ما يبهر الرائي انتشار العوائل والزيارات المتبادلة فيما بينها، والأكثر من هذا وذاك هو تبادل الصبة التي هي أكثر ما تكون في رمضان، حيث تأخذ كل عائلة ركنا لها حسب رغبتها في الموقع متوخين المواقع الخضراء وكثيرا ما أقيمت حفلات الخطوبة وعقد القران في أجواء الجول، وهناك عوائل أصبح لديها مستلزمات خاصة بالجول من خيمة ومنقل وأسياخ وأواني وخران مياه ومستلزمات تحضير الطعام التي لا تستعمل إلا في الجول، والمعروفة بعدة الجول حيث تنظف بعناية وتحفظ على السقيفة بعد انتهاء الموسم.

إن دلت طلعات الجول فإنما تدل على الألفة والمحبة بين الناس إذ يرون في طلعات الجول استحضار حياة البداوة ويجدون الراحة والاستجمام بالطبيعة بعيد عن الإسمنت والأبنية والضوضاء إيمانا منها أن الجلوس في الهواء الطلق له متعة خاصة ويبعث في النفس الطمأنينة، ولا ننسى تناول الشاي المخدر على المنقل بعد الغداء وللعودة من الجول طابع خاص إذ ينتشر أبناء المدينة على جانبي الطريق وخاصة عند دوار الدلة حيث يبدأون بالتواجد جماعات ووحدانا قبيل المغرب لاستقبال العائدين من الجول إذ ترتفع أصوات مزامير السيارات لتختلط بالزغاريد والأهازيج المصحوبة بالتصفيق على احان الطرب لينتهي المطاف بالاستحمام وإزالة غبار البادية ثم النوم (جب) على حد تعبيرهم.

حقا عن أجواء الجول وطقوسه ماثلة في ذهن وخيال أبناء المدينة ولا يمكن نسيانها وستعود إلى سالف عهدها بعد أن بدأت الحياة تدب من جديد في المدينة التي تعافت من رجس الإرهاب.

ابراهيم مطر

الفئة: