حليب روحو... جزء من الذكريات الديرية

العدد: 
4011

بياعة الحليب مهنة اختصت بها النسوة في دير الزور منذ القديم، إذ كان أهل المدينة يستفيقون على صوت بياعة الحليب وهي تصيح حاملة على رأسها طنجرة كبيرة منذ الصباح الباكر وقبل شروق الشمس (حليب روحو) وهي تجول في حارات المدينة وأزقتها ولم يكن لديها ميزان، إنما مكيالها طاسة تتسع لكيلو من الحليب.

وكانت عادتها دائما أن تضع لمن تشتري منها أكثر من طاستين ثلث طاسة زيادة مجانا، وما يلفت الانتباه في بياعة الحليب هو زيها الذي ترتديه وطريقة رفع الطنجرة على رأسها وإنزالها إذ كانت تضع طفلها الصغير على ظهرها ضمن الزبون الذي ترتديه فوق ثوبها لتربطه على عنقها فيصير على شكل خرج وكانت تضع قطعة قماشية ملفوفة بشكل دائري لتضع الطنجرة فوقها، وما يلفت الانتباه أنها لا تمسكها بيديها عندما تدور في حارات المدينة فطريقة وضعها المتوازن على رأسها كانت تغنيها عن ذلك.

أذكر أن ثمن طاسة الحليب في السبعينيات كان نصف ليرة وغالبا ما تأخذ بدلا من النقود كمية من الخبز اليابس، أما الحكايا التي كانت تسردها للنساء اللواتي يشترين منها الحليب فحدث ولا حرج إذ تجلس القرفصاء بعد إنزال الطنجرة وتبدأ بحديثها وهي تكيل وبما أن زبائنها من العجائز العاشقات للقال والقيل فإنهن يستمعن لها باهتمام، وكانت بعض البياعات تبيع اللبن (الشنينة) إلى جانب الحليب، وكن يضنه في القربة المصنوعة من الجلد حيث يكون دسما تختلط معه كتل الزبدة التي تتشكل من عمليه (الشن) الطويلة إذ تملأ ما يعرف بـ (الدبيّة) أي الإبريق الكبير بربع ليرة والذي يطيب تناوله مع ثرود البامياء واللحم بعظمه والذي لا غنى عنه على المائدة.

بدأت هذه المهنة تنقرض في مطلع التسعينات بعد أن صارت الشركات تجمع الحليب من الأرياف لتصنيع الألبان ومشتقاته وتعليب الحليب وهنا فقد الحليب قيمته الغذائية ونكهته فحليب العلب أشبه بالماء مقارنة بحليب بياعة الحليب.

حقا لا تزال بياعة الحليب في ذاكرة الديريين ولا يزال طعمه الدسم على لسان الكبار منهم ممن عاصروها

ابراهيم مطر

 

الفئة: