الفراتيون يكتبون الآن من الذاكرة !

لم يعد المشهد الثقافي الفراتي موجودا، هذه حقيقة علينا أن نسلم لها، تفكك المشهد وتحول إلى حالات ثقافية إبداعية حطت رحالها هنا وهناك بعيدا عن الضفة الخضراء وسرعان ما استعادت وعيها الإبداعي الذي كان تلقى صدمة عنيفة، فالمبدع الذي يرى الأرض والمجتمع ليس كما يراه الآخرون، يراه بحساسية عالية جدا، لم يستوعب ضياع الأرض وخرابها على أيدي أبنائها، لم يتحمل الفظائع التي حدثت وأجبرته على الفرار بذاكرته فقط من أرض هي الهيكل العظمي لهذه الذاكرة.

استعادت هذه الحالات الإبداعية وعيها في دمشق العاصمة والمدن السورية الأخرى الآمنة مسنودة بالترحاب والدعم الذي حصلت عليه سواء من المؤسسات الثقافية أو الأفراد في هذه المدن وخصوصا في العاصمة، وعادت لتقدم نتاج عقولها بطريقة صقلها الوجع وجعلها أكثر ارتباطا بالأرض، وشهدت المراكز الثقافية أمسيات وأصبوحات ومهرجانات ومعارض أدلى فيها المبدعون الفراتيون بدلوهم ضمن ما يعرف بأدب الأزمة .

الخطوات الواسعة نحو الاستقرار في الأرض تبعها استقرار نفسي، وبدأ أدب الأزمة يتبلور لا كحالة معاشة وكمخاض وإنما كقراءة وولادة نتائج.. عاد الكثير إلى فراتهم وبقي الكثير بالقرب منه ليس في الجغرافيا ولكن في الذاكرة، ولم يعد المشهد الثقافي الفراتي حتى الآن، وربما تستغرق عودته وقتا لكنها حتمية بحكم حتمية الانتصار والاستقرار، هنالك أسماء من الجلي أنها ستفرض نفسها على المستوى السوري قريبا ربما في الرواية إذا كان حدسي صحيحا وربما في الدراما، وهناك أسماء قادمة جديدة، هذا حتمي، وبانتظار ذلك وبانتظار اكتمال قطع فسيفساء الضفة الخضراء وشجر الغرب وعباءة الحبر والتنور والهبرية، بانتظار ولادة اللوحة من الذاكرة والواقع معا، يتكئ مبدعو الفرات على حنينهم ويمشون في دروب الورق الأبيض راسمين بخطاهم كلمات المشهد القادم.

عقبة نظام الدين

العدد: 
4000
النوع :