مالح حلو

 الثقة الرابط الأهم في العلاقات الإنسانية يليها الحب والاهتمام فالظفر بثقة الآخرين أهم من الظفر بحبهم وأكثر ديمومة ، وقد تكون نقطة الجذب لعودة العلاقات بعد انقطاعها . هذه الثقة التي لا تأتي من فراغ أو من مصادفة بل بتكرار مواقف الصدق والوفاء بالوعود والحب ، فتتحول إلى إيمان بالآخر وتصبح ركيزة ثابتة وعماداً لعلاقة سوية دائمة . و على العكس حين يدخل الشك و يؤجج النار في العلاقات ويصبح المولد الأساسي للإحباط أو لخيبة كادت أن تقل خسائرها فيما لو كانت خيبة من عدم تقديم شيء أو عدم الرد والإدلاء بدلو الكذب . الكذب حيلة الضعيف والجبان ، درع من ليس قادرا على المواجهة ، الخيار المؤقت الذي و إن طال حبله يبقى قصيراً فيقضي على الثقة والأمان لأن هذه الكذبة الصغيرة غالباً ما تقود لكذبات أكبر تنهي أعمق العلاقات . في صغرنا وعبر إحدى القصص أقنعونا أن من يكذب سيطول أنفه ، أو أن الحقيقة مكتوبة على جباهنا . اليوم بتنا نبرر أن الكذب أحياناً أصبح من متطلبات الحياة ، فنصفق لمن يكذب ، ونكذب على أنفسنا قبل أن نكذب على الآخرين ، و بات للكذبة البيضاء عيداً نجيز به ممارسة الكذب ، وتهمة يتقاذفها الجنسين والكل يدعي أن الطرف الآخر أكثر كذباً . لماذا جعلنا من الكذب كالملح ضرورة لتخطي المواقف و الحفاظ على بقاء أواصر العلاقات وسبيلا للنجاة ؟ لماذا منحناه اللون الأبيض و هو من آيات المنافق و طريق الفجور ؟ أتصغر الكذبة وهي تخفي تحتها مشاكل كبيرة ؟ و ماذا عن بعض المجاملات العابرة التي نحاول بها مراعاة مشاعر الآخرين بالقول الطيب الذي يصلح ولا يفسد ، ومحاولات هروب الآباء والأمهات من متطلبات أطفالهم ومآزق أسئلتهم ، والكذبة الاجتماعية التي تمارس تحت الضغط في مجال العمل أو الحياة هل يرزخون جميعاً تحت مسمى الكذبة البيضاء التي نبيح بها الكذب ؟ أليس الكذب المختلط ببعض الحقيقة أكثر ضرراً و ألماً من الكذب نفسه ؟ أهو ملح آدم و سكر حواء أم سكر آدم وملح حواء ، ولماذا ربطه المثل بالرجال رغم أنه آفة بشرية يتساوى باقترافها الجنسين مابين كذب مقصود وآخر مرضي ، فنلتقي بمن يظن أنه فارس زمانه و نستمع لسيل المبالغات الخلابة والنهايات البطولية التي تغطي النقص بتعظيم الذات . و تجمعنا الأقدار بمن تجذب القلوب البسيطة بعواطفها الزائفة و حججها الواهية التي تبرر بها دس السم في العسل . أيمكن للملح أن يكون سكراً عندما يؤلف بين القلوب أم أن الصدق هو الجسر الحقيقي والرابط الوطيد بين القلوب ؟

أماني المانع

العدد: 
3934
النوع :