قصة صمود..أم قدور عميدة خياطات دير الزور

العدد: 
3903

هي عميدة الخياطات في دير الزور، اشتهرت بالخياطة منذ  العام 1975  ، ومن الممكن القول إن كل خياطات دير الزور تخرجن على يدها، ما يجعل صباح الخشم (أم قدور) استثنائية يمكن الكتابة عنها هو ارتباطها الوثيق بشيئين يجعلان الحياة ذاتها استثنائية هما المعاناة كضحية والعمل الدؤوب للتحول من ضحية إلى منتصر.

(لم أع يوما مر علي بدون عمل، في الطفولة تعلمت الخياطة، ومن ثم تزوجت صغيرة وانتقلت إلى دمشق مع زوجي حيث عملت في مشفى الفاتح بكفر بطنا، وبعد مرض زوجي عدنا إلى مسقط رأسنا دير الزور عام 1997 ، وقمنا بشراء منزل وتكملة ثمنه من البنك ومن أشخاص أعطونا المال نظير رهن البيت لهم).

 هكذا تتحدث أم قدور عن بداية فصول معاناتها التي لم يكن لها أي ذنب فيها، وتتابع بحركة رأسية تدل على ثقل الذكريات وكأنما تريد رميها من رأسها:

(مرض زوجي أرهقنا ماديا، ركبنا الدين وتحول إلى حالة مستعصية تتراكم ولا يمكن حلها، وازدادت أموري سوءا بوفاة زوجي عام 2002 ، دفعني هذا للعمل المجهد في مشفى الساعي  في دير الزور وكنت أعود متعبة لأجلس مضطرة إلى آلة الخياطة حتى ساعات متأخرة، واستغرق هذا مني ثماني سنوات لأنهي الدين  حتى في عام 2010 ، عندها حان الوقت لتحسين الوضع السيئ الذي عاشه أطفالي طوال سنوات، اشتريت لهم بعض الأثاث فظهورهم تأذت من النوم على الحصر ، أردت إنشاء مشغل فقمت بشراء ماكينتي خياطة بقيمة 70 ألف ليرة، خدعني من باعني إياهما فكلاهما فيها خلل ولا تؤدي العمل المطلوب، ولم يكن أمامي إلا استخدام خبرتي فأخذت من هذه بعض القطع ومن تلك أيضا لتخرج من الآلتين آلة جديدة كاملة المواصفات كما أريدها).

وقع الحصار الإرهابي الذي لم يألفه سكان المدينة حتى في عصور الظلمات أيام سفربرلك العصملية، الحصار الذي أراد داعموه ومشغلوه أن يكسر همة وإرادة الديريين لكن أم قدور تتحدث عن وطأته بطريقة أخرى، تتحدث عن عمل وتعلق بالأمل، عمل من أجل نفسها ومن أجل الآخرين:

(استطعت أن ألبس عددا لا بأس به من الأطفال بيجامات من خلال قص الجلابيات النسائية وتصنيع بيجامات وأفرولات منها  ففكينا أزمة العالم قبل أزمتنا لأني كنت أفعل هذا مجانا، لم يعد هناك خياطة في الحصار وتوقف العمل فعملت بغسيل سجاد المنازل وتنظيف البطانيات ، إلى أن تم فك الحصار عن دير الزور في العام 2017 وجاءتني فرصتي مع مشروع اللحف الصوفية مع منظمة undp وما دفعني للعمل فيه أنه  لم يكن عندي  معيل أو رب أسرة ولدي التزام اتجاه بناتي المتبقيات معي كونهم يدرسون في الجامعة فالأولى طالبة هندسة زراعية والثانية في السنة ثالثة حقوق، ولدى إحداهن طفلين ومنفصلة عن زوجها، وأي شيء يدخل البهجة إلى قلوبهم بعد هذا الشقاء الطويل هو مصدر فرحة وراحة لي، أدعو الله أن لا يتعذبوا في حياتهم مثلما تعذبت أنا، وتعب السنين يزول كله عندما تأيني إحداهن وقد نجحت في مادة من مواد دراستها).

 تعيش أم قدور بعد انتصار مدينتها على يد أبطال الجيش العربي السوري مع أولادها حاليا في دير الزور ، رامية وراء ظهرها السنوات العجاف، وسعيدة أنها لم تستسلم وجنت ثمار صبرها وصمودها.

 

الفئة: 
الفرات
الكاتب: 
اسماعيل النجم