الطبيب قاسم السومة: أنا جامع المتناقضات !!

العدد: 
3900

قد يبدو الأمر غريباً  أن تجمع بين مهنتين لا رابط بينهما خصوصا ً أن إحداهما هي الطب البشري ، غير أن الظروف المعيشية تفعل فعلها في هكذا أجواء، الدكتور الشاب " قاسم السومة "  ابن محافظة دير الزور طبيب بشري في الثلاثين من العمر ، لم تثنه نظرات المجتمع عن مزاولة مهنة أخرى ( افتتاح مطعم للمأكولات ) للتغلب على ظروف الحياة الصعبة التي سببتها الغزوة الإرهابية لسورية منذ سنوات .

كما بقية المحافظات السورية  عاشت دير الزور أشكالاً من الإرهاب المتوحش بدءاً بمجموعات ما يسمى الجيش الحر ومروراً بجبهة النصرة وانتهاءاً بتنظيم " داعش " الذي حول المحافظة بأكملها إلى جزيرة رعب يتخاطفها الموت من جهاتها الأربع ، فرض هذا المشهد على الطبيب البشري " قاسم السومة " أن يهجر أرضه وملعب صباه مع تعاظم خطر الإرهاب ، قصد الطبيب الشاب العاصمة دمشق في العام 2014 ليحط الرحال في حي المزة ، وباشر العمل في أحد المشافي الحكومية ، عن ذلك يحدثنا " السومة " قائلاً : كنت أعمل في مشافي مدينتي دير الزور قبيل الأزمة ، وأمام اشتداد الهجمة الإرهابية توجهت إلى دمشق حيث باشرت عملي في مشفى المجتهد ، لم يكن المردود المادي كافيا لتلبية احتياجات أسرتي التي تعاظمت نتيجة الغلاء الناجم عن ضغط الأزمة وانخفاض قيمة الليرة السورية ، يضيف " السومة " : أمام هكذا أوضاع كان علي تدبر أمري للتغلب على هذا الوضع ، كانت الفكرة استثمارية ، ساعدني على تنفيذها مالدي من أموال هي ( تحويشة عمري ) ، قمت بافتتاح مطعم لتحضير المأكولات وبالخصوص ما اشتهرت بها محافظة ديرالزور مسقط رأسي ، اخترت اسماً للمطعم " ليلتي " مستوحىً من اسم " صالة ليلتي " الشهيرة في مدينة ديرالزور ، أردت بذلك أن لاأقطع الصلة بمدينتي ، ذكرياتها ، أفراحها ، فراتها الهادر بالحياة ، خطاب غير مباشر يدغدغ مشاعر الديريين الذين أصابتهم الأزمة بألوان المعاناة ، يتابع " السومة " : لصالة ليلتي أجواءها في ديرالزور ، كانت ملتقى العائلات ، مجمع العشاق ، تتوسط المدينة ، مطلة على كنيسة من هنا وجامع هناك ، من هنا أردت القول لأبناء محافظتي بأن ثمة أمل في العودة ولابد .

" مطعم ليلتي " باسمه الديري ، ومكانه الشامي ، وفر فرص عمل للكثير من العائلات الديرية المهجّرة ، بحسب " السومة " الذي قال : استطعت بافتتاح هذا المطعم أن أشغل 18 شخصاً يعيلون 18 أسرة وهذا ما جعلني أشعر بالسعادة ، أشعر أنني استطعت سد حاجة تلك العوائل التي شردها الإرهاب .

يبتسم الطبيب الشاب ممازحاً وهو يشير لأحد العاملين ، خذ " أبا محمد " مثالاً ، أبو محمد يعيل 8 أفراد هم أسرته ، وكما تعلم نحن الديريون معروفون بالإنجاب الكثير ، فمتوسط تعداد الأسرة الواحدة  لدينا يصل إلى 6 أفراد وربما أكثر ، ولولا الأزمة لحقق " أبا محمد " رقماً أكبر ، وهكذا بقية العاملين لدي .

وعن كيفية مواءمته بين المهنتين ، يجيب " السومة " ضاحكاً : ربما الموازنة بين العملين سهل نظراً لوجود عاملين في مطعمي ، لكن أن يزاول طبيب عملاً في مطعم فهذه لها مآخذها لجهة نظرة أبناء المجتمع وخصوصا ً إذا كان هذا المجتمع من أبناء دير الزور ، ففي مجتمعنا الديري تبدو النظرة أقسى ، لكنني بحمد الله تجاوزتها ، ناهيك عن أن الظروف الحالية وضغط المعيشة تجعل الكثير يتجاوز أحكام الآخرين فيما لو كانت سلبية .

ختم الطبيب الشاب حيثه بالقول : هي تجربة فرضتها الظروف ، غريبة للآخرين ، طبيعية بالنسبة لي ، في تاريخنا العربي الإسلامي كثير من الشخصيات التي برعت في الطب والكيمياء وغيرها زاولت مهناً مناقضة لهذه الاختصاصات ، ما أتمناه أن تتغير نظرة الناس إزاء هكذا تجارب ، لست بدعاً فكثر من أمثالي فعلوا مافعلت ، وحتى لو عدت إلى ديرالزور فسأتابع عملي الثنائي ، أتابع وكلي ثقة بالمستقبل ، أنا جامع المتناقضات وسأجمعها على ضفاف الفرات في ديرالزور قريباً .

 

 

 

الفئة: 
الفرات
الكاتب: 
ابراهيم مطر