ميادة المنديل.. واحدة من الذين كسروا حصار دير الزور

العدد: 
3889

ميادة محمد المنديل اسم ثلاثي صار له معنى بأجزائه الثلاثة معا، مثل أسماء كثيرة في دير الزور لم يستطع الحصار رغم ضغطه الشديد أن يكسرها إلى أجزاء ففرضت بذلك نفسها على حركة التوثيق التي هي (تاريخ البسطاء) البسيط مثلهم، وسر دخولها الناعم إلى هذا التاريخ هو الخشونة التي عوملت بها من قبل من هم خارجين مارقين على التاريخ كله.

ميادة الأرملة ذات الـ 32 عاما، وربة المنزل عايشت حصار دير الزور كما فعل الآخرون بطريقة خشنة جدا، فقد فصلها عن أولادها الذين تركتهم عراة جائعين ينتقلون من معيل لآخر، من أختها الكبيرة التي اختطفتها قذيفة إرهابية إلى زوجة أخيها التي ضمتهم إلى من عندها من البؤساء البسطاء، ولم تكن رسائلهم إليها وهي في دمشق بالعادية أو المطمئنة، لتقع بذلك بين شقي الرحى الثقيلة، الغربة والقهر:

تقول ميادة: (فترة غيابي عن أولادي كانت شديدة القسوة، الصور التي كانوا يرسلونها لي تقطع قلب أي إنسان فكيف بي أنا؟! حصار مطبق على الناس، لا طعام ولا كهرباء ولا لباس ولا أغطية، صور أولادي وهم بلا أحذية، كأنهم أغصان شجر يابسة من الجوع، يأكلون الخبز اليابس فقط ويشربون ظرف العصير العتيق المنقوع بالماء لمرة واحدة في اليوم هي وجبة الإفطار الرمضاني، كنت في حالة بكاء دائم وعبارات ماما تعالي.... ماما اشتقنالك لا تفارق عقلي).

كيف تحول موت ميادة البطئ واليومي إلى حياة؟! أو إلى إصرار على الحياة؟! عن هذا تقول: (خلال فترة حصار دير الزور أصيب أخي بشظايا استقرت في الرئة ولم يستطع النوم بعدها، راح ينهار، المصائب المتلاحقة وضعتني أمام خيارين، أن أستسلم أو أن أساعد نفسي والآخرين، الفضل الأول في عدم استسلامي كان للمرحومة أمي، فقد كانت خياطة محترفة وهي من علمتني الخياطة، عندما قررت أن أعمل كي يتمكن أخي من إجراء عملية جراحية في دمشق لإخراج الشظية المستقرة في الرئة، تقدمت إلى جميع الوظائف والمسابقات لكني لم أحصل على عمل، بعد ثلاث سنوات على هذا الكلام كنت الجالسة الأولى في أول حافلة تعود إلى دير الزور بعد تحريرها وفك الحصار عنها، وجاءت الفرصة في مشروع اللحف الصوفية مع منظمة undp، كان عندي مبادئ أساسية عن الخياطة ، ولدي مسبقا محاولات فردية عن الخياطة من خلال تفصيل لباس لأولاي وأي مساعدة بسيطة تطلبها مني أم قدور عميدة الخياطات في دير الزور، دافعي الثاني للعمل مع المنظمة هو زيادة الخبرة في الخياطة لأكون خياطة ماهرة وأستطيع من خلال ذلك مصدر دخل دائم يكفل معيشة أولادي حتى يكبروا، وهذا ما حصل، ظللت أعمل حتى امتلكت الخبرة وبنفس الوقت كنت أجني مقابلا ماديا وأشعر برضا عميق لأني أساعد أطفالا مثل أطفالي في الحصول على الدفء في برد الشتاء القارس، نجح الأمر وخرجت من حالة إحباط عميقة إلى الإحساس بالأمل وأن أطفال لن يكون مصيرهم الضياع).

تعمل ميادة الآن في الخياطة لمدة تزيد عن العشر ساعات يوميا، ففي الصباح تعمل على آلة الخياطة التقليدية بقدمها مما يسبب آلاما وإرهاقا، وفي المساء عندما يأتي التيار الكهربائي عن طريق الأمبيرات تعمل على آلة الخياطة الكهربائية، وأصابت عدوى الأمل كل من في البيت الذي تحول إلى ورشة، أخوها وزوجته يساعدونها، حتى الأطفال عندما ينتهون من واجباتهم المدرسية يتعلمون ويساعدون.

 

 

 

الفئة: 
الفرات
الكاتب: 
اسماعيل النجم