المستأجر النازح ...بين مطرقة الحاجة وسندان الاسعار الهائجة

العدد: 
3884

تحقيق: خميس الهتيمي- ابراهيم مطر

هجروا أرضهم, جدران بيوتهم وتفاصيل حاراتهم مجبرين.

حملوا مفاتيح البيوت وصور الذكريات والحياة موقنين بزمن العودة الذي مهما طال واستطال ودارت رحا السنين لابد آت لامحالة.

النازحين, المهجرين, الوافدين...مفردات ومترادفات تلخص جزء أصيل من الجسد السوري الواحد. أبناء دير الزور الذين يتفردون بصفة النازح الأوسع انتشارا في جنبات العاصمة وريفها هم موضوع تحقيقنا اليوم حيث نعالج ظاهرة الارتفاع الفاحش لبدلات الايجار السكني أسبابها انعكاساتها فلكها القانوني وجهات النظر المختلفة المعنية بقضية اليوم وحلولها المقترحة.

نبذة قانونية

صدر القانون الناظم لآجارات العقارات عام 2015 تحت الرقم 20 للعام 2015 تلا ذلك بعام واحد صدور تعليماته التنفيذية برقم 1/62/د . وقد بينت المادة 3 منه الآتي:

تسجل عقود الإيجار لدى الوحدة الادارية المحافظة-المدينة-البلدة-البلدية على ان تتضمن هذه العقود مفصل هوية المتعاقدين وعنوان كل منهما وتوقيعهما او من يمثلهما قانونيا. ومدة الايجار وبدله وغير ذلك من الشروط المتفق عليها.

ويستوفى من المؤجر عند التسجيل رسم مقداره 1% من بدل الايجار الشهري على ان لا يقل هذا الرسم عن 500 ليره سورية للعقار السكني.

اتاحت المادة الرابعة للطرف المؤجر حق اعتبار عقد الإيجار سندا تنفيذيا في اصول المحاكمات ووضعه في دوائر التنفيذ المحاكم المعني لاسترداد العقار عند انتهاء المدة المحددة او تحصيل الأجور المستحقة المتأخرة

الاستاذ المحامي ماهر الباقي أوضح رأيه في بعض مواد القانون حيث يرى ان الايجار يتم تحديده بناء على اتفاق الطرفين العقد شريعة المتعاقدين بحيث يدون بالعقد القيمة بالليرة السورية كما يسمح القانون للمتعاقدين تدوين اية شروط او معلومات اخرى بناء على مسؤوليتهما. لذلك على المستأجرين خاصة الاخذ بعين الاعتبار المصلحة الواقعة في تقدير الاضرار المقدرة على التزامهم العقدي في حال تدوينهم اية شروط و معلومات ملزمة كما عليهم الاخذ بعين الاعتبار تغير دورة الاسعار و توقيع عقود طويلة الاجل نسبيا.

أصحاب المعاناة..

تنتشر اكثر العوائل والاسر النازحة بين مناطق قدسيا – جرمانا – جديدة عرطوز الفضل عش الورور خربة الورد ...اضافة لأحياء العاصمة. وفي الوقت الذي تتباين فيه مناطق توزعهم تكاد تتفق أراءهم حول السبب الرئيسي للمعاناة فالإيجار المرتفع يعد القاسم المشترك لمعاناة أبناء دير الزور المهجرين.

(خليل هزاع) رب اسرة يقول : لم يخطر ببالنا انه سيكتب علينا التيه والنزوح عن بيوتنا ومناطق النشء!!لكنه واقع مرير فرضته الأزمة صنيعة الارهاب. كان الهاجس الامني الدافع الاكبر لخروجنا ,قصدنا دمشق لأنها تلخص انتماءنا الوطني كانت قضية تأمين مسكن أول خطوة علي القيام بها ومنذ 3 سنوات كان الحصول عليه سهل نسبيا . الان اعاني من عدم موافقة المؤجر على تجديد العقد إلا كل 3 شهور متواترة بغية ابتزازي حيث انقضاء الشهور يعني لبقائي تحت ضغط الحاجة وفي النهاية  اخراجي او فرض السعر الجديد.

(ام جلال) نازحة مهجرة من البوكمال ومقيمة في قدسيا البلد لها معاناة مركبة مع الايجارات حيث تعددت اماكن اقامتها بعد اضطرارها النزوح الى الحسكة فترة من الزمن ثم الى تدمر واخيرا قدسيا تقول املك بيت بعقد وكالة يقع في منطقة يلدا لم اتمكن من الوصول اليه. اضطرني هذا الواقع الى الاجار بقدسيا البلد بعد رحلة طويلة من البحث والتردد على المكاتب العقارية والمتحالفين معهم من سماسرة البيوت السكنية. اتفقت واحدى قريباتي في العائلة على تقاسم منزل مؤجر ب١٢٥٠٠٠ ليرة رغم احتواءه على بعض قطع الاثاث القديم  زاد في كلفته المادية تضمين حصة السمسار الى قيمة الايجار الذي ندفعه. لم يتركنا المستأجر بعد ذلك عندما طرح عليه احد الاطباء حاجته للعقار من اجل استثماره عيادة ومنزل حيث مايزال يضغط علينا بغية اخراجنا وفي مدينة جرمانا حططنا رحال تحقيقنا  ، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 100 ألف مهجرمن محافظة ديرالزور  يقطنونها  وهذا بالتالي شكل أزمة في المسكن ما جعل هناك مشكلة بين المستأجر ومالك العقار ويبقى الضحية الاولى المستأجر في كل الاحوال .

طمع وجشع

وقع المستأجر ضحية المكاتب العقارية و مالكي العقارات الذين ديدن الغالبية منهم جمع المال ليس الا وعلى اعتبار ان مدة غالبية العقود المتعلقة بالإيجار لا تتجاوز في بداية عام 2012 شهراً واحداً كمدة عقدية ، فمن حق المكتب العقاري وصاحب العقار اخلاء المستأجر بعد انتهائها وهنا تكمل الطامة الكبرى حيث لا يبقى امام المستأجر الا ان يقع فريسة الطمع والجشع فإما ان يخلي العقار وإما أن يرضخ لمطالب المكتب وصاحب العقار حيث تبدو المشكلة واضحة من الطرفين آنفي الذكر فالمكتب من مصلحته ان يخلي المستأجر ليأخذ اجرة شهر جديد بدل ( كمسيون ) فيما يكون مطلب صاحب العقار رفع قيمة الاجار والتي تتراوح الزيادة فيها بين 50 الى 75% ناهيك عن تكاليف نقل الاثاث وما ينجم عنها وما تشكله من حالة عدم استقرار للمهجر .

في المكاتب العقارية

ابو فراس صاحب مكتب عقاري في جرمانا اوضح ان المكتب العقاري هو صلة وصل بين المستأجر وصاحب العقار ولا يتدخل فيما يتعلق بقيمة بدا الاجار انما يحدد ذلك صاحب العقار وهو صاحب الملك وله القرار في هذا الشأن انما مهمته ان يقوم بكافة الاجراءات المتعلقة بالعقد في البلدية  وتقديم كافة الاوراق والمستلزمات والثبوتيات بهذا الشأن اضافة لمتابعة تسديد القيم المتعلقة بالماء والكهرباء وحل الاشكاليات بين المستأجر وصاحب العقار وفقا لبنود عقد الاجار وأخذ بدل ( كمسيون ) وهو قيمة أجار شهر واحد متجاهلا ما يخفيه وراء الكواليس متناسيا بشكل او بأخر مصلحته الشخصية في عملية الاخلاء ليستفيد كمسيون أخر عند اجراء عقد جديد وهناك بعض المكاتب يتفق مع صاحب العقار بشيء ومع المستأجر خلاف ذلك على اعتبار ان العلاقة مع المكتب بعيدا عن صاحب العقار فعلى سبيل المثال يكون مطلب صاحب العقار بالقيمة العقدية الشهرية للعقار ( 40 الفا ) فيما يكون الاتفاق مع المستأجر خمسون الفا على اعتبار ان المسجل في العقد غالبا ما يكون 500 ليرة وهذا بحد ذاته تهرب ضريبي .

رأي غريب لكنه موجود لدى شريحة من الفعاليات التجارية و اهالي تلك المناطق المستقبلة للنازحين حيث يسود انطباع لدى تلك الشريحة ان القادمين من مناطق دير الزور اصحاب اموال وكنوز وجيوب ممتلئة بفعل قدومهم من مناطق الثروات الطبيعية!!

وهذا ما رصدناه من ردود وأقوال البعض من المجالس الشعبية وبوح الجيران وأصحاب الاسواق  ولا يعلم اصحاب هذا الانطباع الخاطئ انه يضاعف من معاناة المهجرين النازحين ويزيد ألمهم الاجتماعي.

 النصيب الأكبر لأبناء الدير..

بلغ عدد عقود الإيجار المنظمة في جديدة عرطوز للعام الماضي 2000 عقد ايجار سكني وتجاري، هذه المنطقة الواقعة بريف الشام الغربي تمثل نقطة استقطاب سكني للمهجرين والنازحين من ابناء محافظة دير الزور على وجه الخصوص.

التقينا المهندس محمد زياد رئيس مجلس المدينة واستطلعنا معه اسباب ارتفاع الاجور السكنية إلى مستويات قياسية يئن تحت ازرها المستأجر النازح. حيث يرى المهندس زياد الن هناك فجوة مفتعلة بين واقع العقار وتوفره وامتيازاته مع بدل الاجار الواقع .يعود ذلك حسب رأي المهندس زياد اللى مضاربات اصحاب المكاتب العقارية والوسطاء والسماسرة المنتفعين على حساب حاجة المواطن النازح. زاد في هذا الجانب زيادة الطلب على البيوت مقابل العدد المتنامي للإخوة المهجرين.

حول سبب احتواء العقود المنظمة على مدد زمنية قصيرة (3)شهور في 90% من العدد الكلي واحتواءها على بدلات اجر رمزي على الورق بين رئيس مجلس مدينة الجديدة ان قانون الاجار رقم 20 لم يضع سقف أعلى محدد لقيمة الاجار المثبت في صيغة العقد بل حدد النسبة المقتطعة لصالح الدولة والبالغ 1% من القيمة الكلية للعقد إضافة إلى رسوم محلية وطوابع. لذا يلجأ الطرفان إلى وضع قيمة متدنية خوفا من ترتب كلفة زائدة عليهم، وكجهة منظمة وحافظة للعقد ليس من صلاحيتنا سوى الاجراء التنفيذي بعد استيفاء الثبوتيات الرسمية المطلوبة.

يضيف المهندس زياد: هناك انحسار في عدد العقود المنظمة نتيجة عودة قسم من الأخوة المهجرين لمناطقهم الامر الذي قد يشهد تحول ملموس على صعيد بدلات الاجار السكني. 

حلول مقترحة..

الحلول تنبع دائما من رحم المشكلات والأسباب لذا:

●          كان الاجدر بالدوائر القانونية في مجالس المدن والمحافظات رفع مقترحات اعادة النظر بسقف بدل الايجار المنصوص عليه في العقد المنظم داخل الوحدة الادارية بما يناسب ودورة الاسعار الرائجة وهذا الامر يدفع باتجاه الحفاظ على الحق العام وتحصيل مردود مالي مقبول للوحدة الادارية المعنية ينعكس على الخدمات المقدمة للمواطن في منطقة العقار.

●          تحديد سقف زمني لمدد الايجار لا يقل عن سنة حتى لا يبقى الهاجس الزمني القصير سيف تهديد بيد الجهة المؤجرة الامر الذي يساهم ايضا بالاستقرار الاجتماعي للأسر المستأجرة.

●          بما ان القانون الناظم لم يحدد الجهة الدافعة للرسوم المحلية وانما هو اجراء اخذ بالعرف العام ان المستأجر من يدفع رسوم تسجيل العقد لذا يبدو منطقيا سد هذه الثغرة من خلال تحميل الجهة المؤجرة هذا الجانب الامر الذي يدفع باتجاه التخفيف عن المستأجر إلى حد كبير ورفع الغبن والاستغلال عنه اسوة كذلك بما يقابله ويكابده المستأجر من تحميل رسوم الكهرباء والماء..

قبل كل ذلك لا يحتاج الامر إلى تذكير من يؤجر برحمة المعاملة الاخوية التي تقتضيها الروح الوطنية امام حاجة النازحين الانسانية. ولنا في تاريخنا الاجتماعي وترابط نسيجنا الوطني ما يغني عن كثير من حاجة الحلو ل والإجراءات النصية والورقية. 

الفئة: 
الفرات
الكاتب: 
خميس الهتيمي - ابراهيم مطر