بشير عاني.. شاعر انتصر على قاتليه

العدد: 
3849

الشهيد بشير عاني، حالة استثنائية في المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية، ورقم صعب على المستوى السوري، كل شئ فيه كان استثنائيا، أما الأكثر استثنائية فالمأساة الرحى التي تطحن الشاعر ليصير اسمه وشعره خبزا لقابل الأيام.

بشير عاني هو أحد رواد البيان النثري والحركة النثرية في المنطقة الشرقية، وكان التزامه بالنثر صارما منذ (رماد السيرة) عام 1993 الذي  شكل علامة فارقة وحجرا اتكأ عليه النثريون القادمون، بشير كان تجسيدا للطاقة التي تتوزع في اتجاهات كثيرة وتنجح في كل اتجاه بخلق حالة متميزة.

كتبت عنه من زمان :( من الاصح توصيف بشير العاني بأنه اول الخارجين على القانون وكذلك اول شعراء النثر المؤمنين بالطبقية الثقافية فبشير في لغته نخبوي حتى العظم ومفرط في استخدام الرمز والتكنيك اللغوي الذي يدفع بالغموض الى مداه الاقصى وهو يستعين على ذلك بحجم ضخم من المفردات وفلترة طويلة للعبارة قبل خروجها الى حيز الوجود ويستند بشكل اكبر ربما على ذهنية صورية تشتغل على الانزياح اللغوي وتتعامل مع الصور المستقبلة والمتلقاة من العالم على نحو مختلف وتقوم بمعالجتها عبر دمجها ببعضها البعض ليكون مزيج لا يفسره إلا من يتلقى المناخ الذي كتبت فيه القصيدة مع القصيدة).

رسالته العجيبة إلى زوجته السيدة أماني بعد وفاتها تلخص المناخ الذي يستحضره بشير مع قصيدته أو كتاباته التي يفوح منها الشعر رغما عنه، يقول فيها: (لم تكلَّ هذه “الناقة” الفراتية.. ربما تألمت.. بل تألمت وتألمت.. لكنها بقيت تشتكي بكبرياء.. وتعض على روحها بصبر نبيل، مصرة على مواعيد جرعاتها..

قبيل شهر من رحيلها أمسكت يدي وهمست: “يبدو أنها النهاية”.. كنا قادمين تواً من الشام وكان الأمل بالشفاء يتراجع وجسدها ينهار بسرعة.. فـ(الخبيث) صار في عظامها..

منذ تلك الكلمات شعرت بأنها قد دخلت في “المحظور”.. وأننا هُزمنا..

بلى يا “أماني” هزمنا.. وهزمنا..

لم نستطع با صديقتي أن نثبّت الحياة في عينيك.. وأن نطوح الموتَ بالضربة القاضية..

ولم تستطع كلماتي أن توقظ الدفء في أصابعك النحيلة التعبة..

ولم أستطع سوى النحيب..

على قبرك سأكتب: “هنا ترقد امرأة شجاعة في زمن جبان..”

وأمامه سأقف كثيراً، لا لأعتذر عن هزيمتي، بل لأصرخ: أيتها الأنثى.. أنا ممتلئ بكِ.. ممتلئ بكِ.. وهذه هزيمتي الأخرى).

لم يهزم الكافرون بالإنسان بشير حين ذبحوا فلذة كبده أمام عينيه ثم ذبحوه، لا يعرفون أن الشاعر لا يُقتل، لديه حصانة ضد القتل، لأنه سيتوهج وينتصر على قاتليه، وكما كان يريد أن يكتب على قبر زوجته، فهناك في مكان ما في قبر جماعي على الأغلب سيكتب أحدهم يوما: "هنا يرقد شاعر شجاع في زمن جبان".

ولد الصديق الشاعر والصحفي والكاتب محمد بشير الأحمد العاني في دير الزور عام 1960، حصل دراسيا على بكالوريوس الهندسة الزراعية وعمل كمهندس زراعي في الاستمطار في دير الزور، متزوج من السيدة أماني التي غادرت الحياة قبله بقليل إثر مرض عضال، له ولد واحد هو الشهيد إياس الذي استشهد معه وعمره 19 عاما، وابنتان هما إيمار 17 عاما، ولونار 14 عاما قتل الإرهاب كل من لهما في هذا العالم، عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو في جمعية شعر، له ثلاثة دواوين شعرية مطبوعة: (رماد السيرة) 1993 – (وردة الفضيحة) 1994 – (حوذي الجهات) 1995،  وله مخطوطان لديوانين جديدين التهمتهما النار في منزله الذي دمّر في الحرب ولم يُطبعا.

له مئات التحقيقات في معظم  الصحف والمواقع الإلكترونية السورية، كتب في الثقافة والمجتمع والقضايا الشائكة وكان مراسلاً لعدد من المطبوعات الأدبية العربية والسورية، قتله تنظيم (داعش) الإرهابي مع ابنه إياس بتهمة (الردة)، وذلك بعد خروجهما من مدينة دير الزور المحاصرة أملاً بالوصول إلى دمشق.

 

 

 

الفئة: 
الفرات
الكاتب: 
عقبة نظام الدين