محمد الفراتي ... أيقونة النهر الخالد

العدد: 
3343

مايزال نهراً دافقاً تتجلى معه العاني والكلمات ، هو نهر وتاريخ ، محمد الفراتي شاعر وادي الفرات الذي مايزال نهرا خالداً في تاريخ دير الزور.

لايذكر نهر الفرات لا ويذكر معه الفراتي كشاعر ترك بصمة واضحة وجلية مازالت تتردد فخراً وعزاً .

ولد الفراتي بدير الزور عام 1880 وبدأ تعليمه فيها عندما انتسب إلى مدرسة الرشيدية، ولما اكتشف معلموه حبه للعلم والتحصيل نصحوا ذويه أن يفسحوا له المجال لتنمية مواهبه، وإشباع رغباته في الاستزادة من الأدب، فاتصل بالشيخ حسين الأزهري حيث درس عنده علوم اللغة والنحو والفقه لمدة سنتين ولم يتوقف عند هذا الحد بل غادر دير الزور إلى حلب مستزيداً في طلب المعرفة فتابع دراسته على يد الشيخ محمد الزعيم وبعض علماء حلب المشهورين آنذاك، ولم تكتف نفسه التواقة للمزيد بهذا الحد بل غادر حلب إلى بيروت ومنها إلى يافا فبور سعيد فالقاهرة حيث استقر به الطواف في الأزهر الشريف وأقام برواق الشوام الذي كان عميده –آنذاك- الشيخ سليم البشري، وتتلمذ الفراتي على أيدي أئمة الأدب والفقه أمثال المرصفي والقاياتي وبخيت وتزامل الفراتي وهو يطلب العلم في الأزهر مع طه حسين وعبد القادر المازني وزكي مبارك وأحمد الكرمي.

ولم تمض عليه فترة وجيزة بالأزهر حتى أقامت الحرب العالمية الأولى التي خيمت بظلالها المقيتة على حياة الناس فانقطعت أسباب الصلة بين الفراتي الطالب الأزهري وبين أهله بدير الزور، وسرعان ما غادر حلقات الدرس ليلتحق بالثورة العربية الكبرى منذ انطلاقتها الأولى فمنح رتبة ملازم وأمام طابور وقد أبلى الفراتي بلاء حسناً في المعارك التي مرت بها ثورة الشريف حسين. ومنها تعرف على الشريف وابنه الفيصل ونمت بينه وبينهما أواصر الصداقة.

ولما شعر أن الثورة قد حادت عن مبادئها المعلنة غادرها إلى مصر ليشترك في ثورة سعد زغلول عام 1919 ولما تكالبت قوى البغي على ثورة زغلول ترك مصر عائداً إلى دير الزور ليفجع باحتلال الإنكليز لمدينته، لكنه لم يستسلم لليأس بل بدأ يجري الاتصالات ويشكل الحلقات ويعد للقيام بثورة شعبية ضد الإنكليز، وما أن خرج الإنكليز من سورية ليحل الفرنسيون محلهم انتظم الفراتي بمهنة التعليم.

وبعد سنتين من الاستقرار المشوب بالقلق استقال الفراتي من عمله بعد مشادة حامية جرت بينه وبين المتصرف الفرنسي على دير الزور، وعلى الرغم من بقائه دون عمل فقد تزوج السيدة عائشة الألوسي عام 1921.

وفي أوائل عام 1922 افتتحت بدير الزور أول ثانوية رسمية للذكور سميت التجهيز (ثانوية الفرات حالياً) فعين الفراتي مدرساً فيها لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، لكن الفراتي الثائر أبداً بدأ يحض على الثورة والتمرد علناً ضد الفرنسيين، فقامت السلطة الفرنسية بفصله من التعليم، مما اضطره لمقابلة وزير المعارف بدمشق لشرح وضعه والاعتراض على فصله، ولما شعر أن الوزير لم يستجب لشكواه أغلظ عليه القول واتهمه بالخيانة الوطنية وغادره إلى الشارع حيث نمى له بعض أصدقائه أن ثمة اعتقالاً ضده يبيته الفرنسيون فعاد إلى دير الزور مسرعاً حيث تخفى وغادرها إلى العراق، مخلفاً وراءه أسرته الصغيرة.

وفي العراق تبناه ساطع الحصري الذي كان يتسنم مرتبة وزير المعارف آنذاك فعينه فوراً مدرساً للغة العربية وخصه بتعليم هذه المادة في مدارس اليهود ببغداد، وهنا بدأت أحوال تستقر، لكن نزوعه الدائم للسفر كان يشده لرفع عصا الترحال وعندما افتتحت أول مدرسة رسمية في المنامة بالبحرين غادر العراق ليدرس اللغة العربية فيها، ومكث الفراتي ثلاث سنوات في البحرين لكنه اختلف مع مدير المعارف هناك فغادر البحرين عائداً إلى دير الزور وفيها عين مدرساً في ثانوية الفرات ثانية عام 1930.

ولم تنته حياة الفراتي عند هذه الحدود بل سافر إلى السعودية وإيران ومصر، وشارك في المهرجانات الشعرية العربية، ومثل القطر العربي السوري في المهرجان التأبيني الذي أقيم في القاهرة تخليداً لشاعر القطرين خليل مطران.

قصيدة الفرات الخالد من ديوان النفحات للشاعر محمد الفراتي

ذاك نهر الفرات فاحب القصيدا            من جلال الخلود معنى فريدا

ذاك نهر الفرات ما إن له ند            على الأرض إن طلبت نديدا

باسماً للحياة عن سلسبيل                          كلما ذقته طلبت المزيدا

جرعة منه في قرارة كأس              تترك المرء في الحياة سعيدا

نحن قتلاه في الهوى وقديماً                شف آباءنا وأصبى الجدودا

يعكس الدوحُ في الأصيل عليه             أينما شمت ظله الممدودا

وعلى الدوح للبلابل شدو                   هجن الشعر لحنه والنشيدا

ياجناناً على الفرات هي الخلـ              ـد لمن رام في الجنان خلودا

أنا لولاك ما طلبت لنفسي                   رغم بؤسي الحياة عمراً مديدا

ياليالي بالفرات استنيري                    وانفحي بالجمال هذا الوجودا

قد شهدنا عرس الطبيعة لما                أن لمحنا لواءك المعقودا

منظر رائع يريك جلال الـ                 ـله في مسرح الحياة فريدا

إيه يابلبل الفرات ترنم             فوق شطآنه وحي الورودا

وتنقل على الغصون مدلا                   واملأ الأفق في الصباح نشيدا

أنت مثلي وكم عهدتك في الدو             ح طروباً بل شادياً غريدا

حي عني الأحرار في كل شعب           ناهض للعلا وحي الجهودا

 

وفي سنوات حياته الأخيرة تفرغ محمد الفراتي لترجمة الشعر الفارسي الذي كان مولعاً به للغاية، وفي عام 1976 منحه السيد رئيس الجمهورية راتباً تقاعدياً استثنائياً، تكريماً لمجهوده الأدبي والفكري وفي العام نفسه كرمه اتحاد الكتاب العرب بإقامة تظاهرة أدبية في مدينته دير الزور شاركت فيها نخبة من كبار أدباء القطر.

الفرات : خالد جمعة

الفئة: