عمل قيم ومادة غنية للباحثين في علم الاجتماع من التراث الشعبي الفراتي (مختارات من أعمال الباحث الموسوعي عبد القادر عياش)

العدد: 
1466
هذا الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة بأجزائه الثلاثة من اختيار كامل إسماعيل, وإعداد عباس طبال ضم الكثير من أعمال باحثنا الموسوعي الفراتي الأستاذ المرحوم عبد القادر عياش التي يوثق فيها التراث الفراتي عمل يستحق منا الشكر الجزيل ولا سيما للأستاذ كامل إسماعيل على حسن اختياره لهذه الأعمال ونشرها .والتأريخ للتراث الشعبي في الفرات ليس بالأمر السهل, فالمؤرخ يجب أن يكون متمكنا من أدوات هذا النوع من الكتابة والتي نذكر منها :

- المعرفة بالتاريخ‏

- المعرفة بعلم الاجتماع‏

-المعرفة الواسعة بالأنساب, وباحثنا الأستاذ عبد القادر عياش كان من القلائل الذين تسلحوا بهذه الأدوات, لذا رأيناه قد أعطى جلّ سنوات عمره لهذا العمل الكبير الذي يعّد من المراجع الهامة, والنادرة التي تصدت لتراث وادي الفرات الشعبي هذا التراث الذي لا زلنا ننهل من بعضه حتى يومنا هذا0وإن اختفت من حياتنا الكثير من العادات ,والتقاليد التراثية التي سادت منذ عقود عديدة, وما على الباحثين في التراث الشعبي الفراتي وعلم الاجتماع اليوم إلا أن يرصدوا ما استجد من عادات وتقاليد وما انتهى منها إلى النسيان ,و يدرسوا امتداد بعض العادات إلى عصرنا الحالي, ومدى علاقتها وملا ءمتها للواقع الاجتماعي الفراتي , ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب استطعت رصد بعض ما اندثر من الألعاب الشعبية الفراتية التي كانت سائدة في فراتنا الحبيب منذ أكثر من نصف قرن من ذلك:‏

- ألعاب العصا:مثل : الحاح-التاز-الحوري-بمو(بأمه)-الطقطاقة-القوس والنشاب-النشابة وكذلك :‏

- ألعاب النار:كلعبة الشوشاح وبعض ألعاب الحصى كالسقلق والدامة0ومن الأبحاث الهامة في الكتاب (اليد في حياتنا وتراثنا)حيث يتحدث الباحث عبد القادر عياش عن اليد في التداوي المحلي فيقول:))يعتقد الأهلون أن لأيدي بعض الأشخاص قوة خارقة أو كرامة وأنها إذا مست المريض شفته ويعود هذا الاعتقاد إلى زمن السحرة الذين كانوا يداوون المرضى بحركات أيديهم وكان الكهان يمارسون ذلك في المعابد وما يجري عندنا على أيدي البعض آثار من تلك العهود)) وهذا الأمر لا يزال موجودا لدينا لا سيما عند بعض الناس الجاهلين والبسطاء في الريف 0‏

كما يتحدث عن اليد في:-- القسم ? المقاييس والمكاييل‏

ثم يعرج للحديث عن اليد في أمثال أبناء الفرات, ونذكر من تلك الأمثال:‏

- إيدو طويلة0‏

- إيدك بطول إذنك0‏

- حمق وإيدو فرطة0‏

- حنا جفك0‏

- لا تحط إيدك بالنار0‏

- شايل دمه براحة إيدو0‏

- بكل غار يمد إيدو0‏

- غسل إيدك منه0‏

,وقد حارب باحثنا الموسوعي عبد القادر عياش الفكر السطحي ,والخزعبلات, والبدع ورأى أن يُنظر إلى الأمور نظرة علمية موضوعية للوصول إلى الحقائق, ففي بحثه عن اسم (البصيرة) الذي أطلق على /قرقيسيا/ حديثاً علميا حيث قّلب الاسم من جميع جوانبه على محكّ موضوعي, ورأى أنها قد تكون مشبهة بالبصرة المدينة العراقية الواقعة على شط العرب الناجم عن التقاء الفرات بدجلة, وهي مصغرة عنها لغوياً, وتقع عند التقاء الفرات بالخابور وهذا أمر مقبول ويرفض اعتقاد بعض السكان الذي يعتقد بأن الاسم جاء من وقوعها على تل, وإن الناظر من فوق التل يبصر مدينة ماردين ومنه جاء اسم البصيرة.‏

وهذا أمر يحاكم كثيراً من القضايا التاريخية والجغرافية والاجتماعية وقد حارب البدع الناجمة عن المآتم وتقاليد الوفاة, ويتحدث عن تقاليد الوفاة ,وغيرها بدير الزور بمنطق الرافض لهذه التقاليد والتي يعتبرها قاسيةوفيها الكثير من الجهل, والتخلف في بعض جوانبها0‏

لهذا العمل أهمية كبيرة, فهو تأريخ ,وحفظ للتراث الشعبي الفراتي من جهة, وتعريف ا لآ خرين بهذا التراث ,إذ يستطيع الجيل الجديد من أبناء الفرات , وغيرهم أن يطلع على تراث المنطقة, ويتعرف على أصل كل عادة, أو سلوك, كما يعّد معرفة جديدة تهدى إلى قراء الدول العربية, والأجنبية لتتعرف تلك الشعوب إلى تراث حاضرة الفرات دير الزور أضف إلى ذلك :أن الكتاب يضع بين يدي الباحث في علم الاجتماع مادة غنية للبحث الاجتماعي إذ يستطيع من خلال اطلاعه على العادات الاجتماعية والظواهر الشعبية أن يدرس أسباب ظواهر معينة ويبحث بعمق في أصول عادات وتقاليد اجتماعية كانت سائدة منذ سنوات عدة ولا يزال يمتد بعضها إلى يومنا هذا منها:(ظاهرة المقاهي-التعازيب-الأمثال الشعبية الديرية- الأغاني الشعبية الفراتية ?إلخ....) ومن خلال قراءتي لبعض الظواهر الاجتماعية كظاهرة المقاهي في دير الزور لفتني أمر هام هو أن الباحث عبد القادر عياش قد حاول تحليل بعض أسباب هذه الظاهرة اللافتة للنظر في الماضي والحاضر وهذه من الإيجابيات الكثيرة التي تسجل له في عمله الموسوعي فهو لم يكن ناقلا أو مدونا لما وقعت عيناه عليه أو سمعته أذناه بل كان يحاول أن يحلل أسباب تلك الظواهر والعادات التي دونها في موسوعته.‏

ولباحثنا حوالي (83 )مؤلفا مطبوعا و(28) مخطوطا تنتظر من يطبعها0 هذا الباحث الفذ الذي يعتبر آخر موسوعي في التراث في القرن العشرين, و وفي الختام أوجه دعوة إلى أهل مدينتا من المهتمين بتراث, وثقافة الفرات أن يساهموا في طبع ,ونشر ما تبقى من أعماله المخطوطة لتكون بين أيدي القراء, والباحثين0‏

ولقد صدق الشاعر محمد عبد الغني حسن حين قال فيه:‏

إن وادي الفرات أهدى إلينا‏

باحثاً بالفنون صار معنى‏

شغلته ملامح الشعب حتى‏

وجد القصد عندها واطمأنا‏

كل يوم نرى كتاباً جديداً‏

من أفانينه ونسمع لحنا‏

ياسر الظاهر‏

الفئة: 
الكاتب: