الشاعر العراقي هاشم شفيق : الشعر فن أعزل .. والثقافة العربية مفككة ومنهكة

العدد: 
1341
هاشم شفيق واحد من أبرز شعراء السبعينيات في العراق، تميزت تجربته بالغزارة والانتشار وأصدر خلال مسيرته الإبداعية ست عشرة مجموعة شعرية بدأت بقصائد أليفة عام 1978 وانتهت منذ أشهر قليلة بـ هدأة الهدهد، إضافة إلى كتب أخرى في مجال الرواية والنقد والترجمة.

في نهاية السبعينيات غادر هاشم شفيق العراق إلى المنافي ليلتحق بالكثيرين من المثقفين العراقيين الهاربين من القمع وسطوة النظام، بحثا عن الحرية، فدارت به الأرض ودار بها، من دمشق حتى لندن، حيث استقر به المقام أخيرا، بعد العديد من العواصم العربية والأوربية.‏

حتى في اختياره للمنافي لم يكن هاشم شفيق سوى ذلك المثقف الذي كثيراً ما كان ينسى حقيبته (السياسية) في المطارات، متأبطاً محبرته ومخيلته وأشواقه، مشرعاً روحه لريح القصيدة، فهو الذي يرفض أن يرى العالم إلا من خلال الشعر، فقصائده هتاف من القلب لكل ما تراه عيناه، هتاف لمجد الأشياء الصغيرة والعابرة التي يمر بها، لذا فقد امتازت بالحسية، مع محاولات جادة لاكتشاف الحياة وتفاصيلها دون إخفاء انحيازه للإيجاز والتكثيف اللغوي والابتعاد كثيرا عن المنبرية والنزوع الخطابي..‏

ما هو الشعر ؟‏

لا اعرف, ولو أني عرفته لما كتبته ...‏

هذا ما يردده دائما هاشم شفيق، الذي عرفته في منتصف الثمانينات، قبل أن يغادر دمشق، وفيها التقيته مجدداً هذا العام، ومعه كان لنا هذا الحوار ..‏

- عُشت في العديد من العواصم الأوربية، قبل أن يستقر بك المقام في لندن، ما الفرق الجوهري بين الثقافتين العربية والغربية؟‏

الثقافة في الغرب منظمة خاضعة للسيطرة و التحكم ضمن سياق الثقافة العامة، وعلينا ألا ننسى أن العالم المعاصر الجديد هو نتاج غربي فكريا وسياسيا وروائيا وشعريا إلى جانب العلوم والمعرفة والايدولوجيا، الغرب عالم حر بلا قيود وبلا رقابة وبلا حدود ..‏

بالمقابل فان الثقافة العربية ثقافة منهكة، مفككة ليس لها أسس محددة وليس لها اطر وضوابط، وهي سطحية وتعيش فوضى عارمة, وفي السنوات الأخيرة بدأنا نشهد استبعادا علنيا لمحاولات تعميق هذه الثقافة ومنعا للفكر المتنور وملاحقته مع تسييد للتجهيل والفكر الظلامي، حيث لم يبقى لنا من أنوار السبعينات وما قبلها سوى بقايا أفكار مازال يقتات عليها بعض اليساريين واللبراليين والعلمانيين, وما حالة نصر حامد أبو زيد إلا شاهد على كيفية طرد الفكر الجدلي، وبتواطؤ ومباركة من الجهات الرسمية.‏

تصور مثلا أن وردة الحب ممنوعة في عيد الحب في أحد البلدان العربية، كما أن اللون الأحمر ممنوع أيضا، وحتى تبادل الهدايا في هذا العيد, كذلك فإن قيادة السيارة ممنوعة على النساء في أكثر من بلد عربي ..‏

الفرق الجوهري بين الثقافتين، من وجهة نظري، هو غياب الحرية وكثرة القيود في الثقافة الغربية، واتساع مساحة المحرمات والتابوات في الثقافة العربية.‏

- وما يتعلق بالشعر..؟‏

من زاويتي أشعر أن الشعر العربي هو شعر عالمي بامتياز وقد لمست ذلك جيدا من خلال احتكاكي وملامستي مع المشهد الشعري الأوربي، وخصوصا في المهرجانات التي شاركت فيها في فرنسا وبولندا وبريطانيا وغيرها‏

إذا كان الأوربيون،عقليا وتقنيا، يفاخرون بأنهم صنّاع هذه الحضارة وهذه الحداثة التي يعيشها العالم اليوم، فإن لدينا اليوم، وحقا أقول، ما نفاخر به أيضا و أعني الفنون، الشعر والفن التشكيلي والموسيقا , هذه الأقانيم الجميلة، بوسعها ان تكون السفير الحقيقي للثقافة العربية .‏

لقد حصل تطور كبير للقصيدة العربية خلال الخمسين سنة الماضية من خلال تفاعلها مع القصيدة الأوربية, حيث اطلعت الذائقة الشعرية العربية الجديدة على ما تم تخليقه في مجال الشعر والثقافة عموما, لهذا فان القصيدة العربية تطرب القارئ الأوربي لاحتوائها على إيقاعات غنية ومساحات صوتية موسيقية تمدها برنين مختلف عن القصيدة الأوربية فضلا عن احتوائها على جو مغاير ونكهة شرقية معبأة بالطابع المحلي.‏

الشعر العربي عموما قليل الانتشار في أوربا ويعزى ذلك إلى قلة الترجمة، وينبغي على المؤسسات الثقافية والخاصة أن تقوم بتكريس هذا الدور الذي من الممكن أن يؤدي خدمة لهذا الفن الفقير والمتقشف والساحر أيضا.‏

- هناك من يبشّر بموت الشعر، أو تراجع وظيفته أمام التقانة البصرية، كالسينما والتلفزيون، أو أمام أجناس أدبية أخرى كالرواية مثلا .‏

الشعر في كل مكان سيبقى مادة ضرورية للحياة البشرية, فالشعر مرتبط بالحياة والطبيعة والبشر، وإذا ما زالت هذه الرموز وهذه الحيوات، وقتها يمكن الحديث عن نهاية الشعر أو تراجع دوره في أسوأ الأحوال.‏

فكرة موت الشعر أطلقها أحد الفلاسفة اليونانيين حديثا, ربما للأسباب التي ذكرتها، وربما تأثرا بفكرة موت المؤلف وموت الذات العليا .‏

نعم هناك شيء حصل للشعر، الشعر اليوم أعزل في العالم وغير جماهيري في العالم كله، ربما للأسباب السابقة، لقد أصبح فن الصمت والقلة وأخذ ينسحب إلى نفسه ويشتغل على أعماقه وعلى ما يعتمل في دواخل الشاعر من هواجس وظنون وهموم فلسفية وفكرية وتأملات روحية : لقد أصبح فنا للنخبة القليلة التي تطارده .‏

ولكن، ورغم هذا، يبقى الشعر نبض اللحظة الإنسانية ومنها يستمد مادته الجمالية والفنية لكي يبني عالما متخيلا وحالما يليق بما تعانيه البشرية من حصار وفقدان للرومانسية والعوالم الحالمة التي كان الانسان يستمد منها مادة البقاء.‏

- في كتاباتك المبكرة، وربما إلى الآن أيضا وإن بشكل أقل، ثمة أصداء لنصوص سعدي يوسف ورؤاه الشعرية وعوالمه ..؟‏

لم لا .. لقد أثّر سعدي يوسف في مختلف الأجيال الشعرية العراقية والعربية عموما لذا من البديهي والطبيعي أن أتأثر بدوري بشاعر عربي مثل سعدي يوسف، فهو معلم في هذا الفن الصعب، فتح أفقا جديدا له وأحدث انعطافا كبيرا في مسيرته عبر قصيدة يومية تلامس الواقع وتمتح من تفاصليه كثيرا.‏

كانت القصيدة قبل سعدي, في الغالب, قصيدة ذهنية تجريبية، سائبة ومفككة، لكن سعدي لملمها ثم أعاد إليها الروح كما أعاد صياغتها من جديد.‏

- خمسة عشر ديوانا أصدرت وكانت جميعها منتمية لقصيدة التفعيلة، أما ديوانك السادس عشر، الذي صدر منذ أيام (هدأة الهدهد)، فكان منتميا لقصيدة النثر.. ما الذي تغير في هاشم شفيق ..؟‏

علاقتي مع قصيدة النثر قديمة، ربما تأخر إظهارها، لكنني في مطلع حياتي الشعرية كتبت قصيدة النثر ونشرت بعضها في جريدة طريق الشعب وفي مجلتي الفكر والثقافة الجديدة، وهي مطبوعات صادرة عن الحزب الشيوعي العراقي، لكن السلطات العراقية في منتصف السبعينات منعت قصيدة النثر وكذلك الشعر الشعبي تحت ذريعة أنها مستوردة وأجنبية ومخربة للثقافة العربية.‏

في الحقيقة لم أنقطع عن كتابة قصيدة النثر ولكن بشكل أقل قياسا على التفعيلة، وقد نشرت بعض القصائد النثرية في عدد من مجموعاتي المتأخرة، أما اليوم فأنا اكتب هذه ى القصيدة بغزارة ولدي ثلاث مجموعات جاهزة للطبع تنتمي جميعها إلى هذا المقترح الشعري، عدا عن مجموعة هدأة الهدهد التي أشرت إليها منذ قليل. وهي صادرة في دمشق عن وزارة الثقافة .‏

- قصيدة النثر حتى اليوم تعيش مشاكل من خارجها ومشاكل من داخلها .. كيف ترى واقع هذه القصيدة في الشعر العربي بعد ما يقارب النصف قرن على كتابتها ؟‏

في الثقافة العربية نأخذ دائما الأشكال التجديدية المطروحة في ساحة الشعر العالمي دون النفاذ إلى أعماقها, الشعر في العالم متعدد ومتنوع وليس هناك سياق وحيد للكتابة، بل ثمة أنماط متعددة للتعبير وسياقات جمالية مختلفة للكتابة في الحقل الشعري ..‏

قصيدة النثر في العالم ليست جديدة فهي بدأت على يد بودلير في فرنسا ووايتمان في أمريكا، وفي العربية، في مطلع الخمسينات، مع مجلة شعر ( انسي الحاج و الماغوط) لكنها تجذرت على يد الرواد الأوائل في الستينات وأصبحت شائعة بشكل كبير لوفرة الشروط الجمالية فيها إضافة إلى حرية الكتابة.‏

في تاريخ هذه القصيدة هناك نمطان للكتابة : الأمريكي الذي ظهر على يد وايتمان والمعروف ب(FREE VERSE) والنمط الفرنسي الذي ابتكره بودلير (POEMON PROSE ) وهي قصيدة النثر المكتوبة بشكل دائري يمتد أسطرا حتى نهايته أي يصبح كتلة واحدة لها سياقها الخاص، وقد تمثل في تجربة انسي الحاج وخصوصا في (لن) و(الرأس المقطوع) فيما القصيدة الأمريكية (العمودية) فقد بنيت على نظام الشطر المتوالي كما كتبها الماغوط، ومنذ البداية ظهر خطأ التسمية عندما أطلقت نازك الملائكة على قصيدة التفعيلة اسم الشعر الحر، وهذا كان اسم قصيدة النثر في الغرب، وما زالت هذه التسمية مستعملة في الشعر العربي حتى يومنا هذا.‏

أهم مشاكل قصيدة النثر العربية الحالية تكمن في تسلل الخاطرة إليها وغياب البلاغة التي يراها البعض مضرة بالشعر، ولا ندري لماذا ..؟, إضافة إلى قصر نفسها وامتلائها باليوميات التي لا تحمل هموما كبيرة .‏

قصيدة النثر الحالية تفتقر إلى التأمل والرؤية الفلسفية وهذا على عكس القصيدة الأوربية المليئة بمعان وأفكار جمة والمتأملة للعالم والكون والطبيعة والحياة والموت والتفكير في الوجود .‏

ينبغي على قصيدة النثر أن تكون قصيدة تركيبية ذات سياقات شبكية تحمل علامات ودلالات تتناسب مع مكانتها الفنية سيما وقد أصبحت خالية من القيود والضوابط الخارجية كالوزن والقافية.‏

- كيف ترى المشهد الشعري العراقي بعد سنوات طويلة من المغتربات و المنافي والحروب والكوارث، خصوصا وقد كنت مكلفا باختيار الشعراء والنصوص لملف الشعر العراقي الذي صدر عن كتاب في جريدة ؟‏

الشعر في العراق هو ارض خصبة، جيل يغذي جيلا على مر العصور والتواريخ والأجيال ..‏

تربة الشعر الأولى كانت في العراق، فمنذ الشاعر الأول ( يانوش كادرو)، الذي كتب التراتيل السورية، مرورا بملحمة كالكامش، هذه القصيدة العظيمة التي ترجمت لجميع لغات العالم, منذ ذلك وحتى اليوم ولدت أجيال وحضارات ونهض شعراء عديدون على هذه الأرض ..‏

الآن في العراق شعراء جدد متميزون يحملون هموم العالم على أكتافهم بحس فطري وعفوي وجمالي متقدم، هذه الأجيال، ورغم استنزافها بسبب الحروب والكوارث والهزات التي عصفت بالعراق في السنوات الأخيرة وصنع منها أجيال شعرية مهمومة وجريحة وفقيرة على هذه الأرض الخصبة، التي تعد أغنى بقعة في العالم، فيما لا يجد شاعرها المتجدد قوت يومه في هذه البلد المنهوب، رغم هذا فان هذه الأجيال ما زالت قادرة على إضافة هم آخر إلى همومها الأخرى، وأعني هم التجديد والإبداع .‏

هاشم شفيق :‏

- شاعر وناقد مواليد العراق 1950 ، خرج من العراق عام 1978 وأقام في كل من باريس ثم بيروت ثم دمشق ثم قبرص وبراغ وأخيرا لندن.‏

- عمل في الصحافة العربية.‏

- اصدر ستة عشر ديوانا شعريا منها : قصائد أليفة, أقمار منزلية, مشاهد صامتة, غزل عربي, صباح الخير بريطانيا, إضافة إلى رواية باسم بيت تحت السحاب.‏

- ترجمت أشعاره إلى الفرنسية والانكليزية والفارسية والكردية والاسبانية B.AANE@YAHOO.COM‏

">والبولندية.‏

B.AANE@YAHOO.COM‏

الفئة: 
الكاتب: