محمد الفراتي .. الشاعر الوطني والقومي الذي مات ولم يتحقق حلمه بالوحدة العربية ؟ !

العدد: 
1091
لايختلف اثنان على ان الجزيرة السورية موطىء قدم الانسان الاول ومبعث حضاراته كما لايختلف أحد على أن أرض الجزيرة أنبتت من الادباء والمفكرين والمبدعين جيلاً خلاقاً مبدعا

ماتزال رؤى الحضارة تنبعث من آثاره والشاعر محمد بن عطا الله بن محمود بن عبود هو واحد من أولئك المتميزين المبدعين ولقب بالشاعر ( الفراتي ) وذلك بعد أن أنهى تحصيله العلمي في الجامع الازهر بالقاهرة وهناك بدأت بواكير قصائده بنشرها في الصحف المصرية تباعاً.‏

ولقبه هذا إن دل على شيء فإنما يدل على التصاقه ببيئته وحبه لوطنه تعلم ( الفراتي ) العلوم الشرعية وعلوم العربية باللغة التركية في المدرسة الابتدائية والرشدية بدير الزور .‏

بعد ذلك التحق بحلقه الشيخ الحمودي وبقي فيها سنة كاملة تلقى خلالها علوم الدين واللغة العربية كما تلقى وعلى مدار ثلاث سنوات بعد التحاقه بالشيخ « حسين الازهري » مبادىء اللغة العربية والفقه والمنطق وقد شجعه على ذلك شيخ مغربي وجد فيه الذكاء وحب المعرفة والاطلاع للالتحاق بالأزهر الشريف في عام 1911 انتقل إلى القاهرة والتحق بالجامع الازهر منتظما في الرواق« الشامي » بعد أن اجتاز امتحان سبر المعلومات وقد اتيح له أن يتتلمذ على يد أساتذة كبار وامتدت رحلته في الازهر من عام 1911 وحتى عام 1914 حيث أجيز بعدها بالافتاء والتدريس .‏

وما إن انطلقت شرارة الثورة العربية في الحجاز ودوى صداها في أرجاء الوطن العربي حتى سجل ( الفراتي ) ورفاقه اسماءهم لدى مندوبها وقد سافر إلى الحجاز والتحق بجيش فيصل بن الحسين في بلدة « الوجه » على البحر الاحمر ولأن (الفراتي) كان ضعيف البصر نحيف الجسم فقد كلفه بالافتاء وتدبيج الخطب السياسية ..وبعد دخوله في أول معركة أنعم عليه الملك فيصل برتبة ضابط وجعله على إثر ذلك «إمام طابور» .‏

شارك (الفراتي) في الثورة العربية فعلاً وشعراً وعاش الهم القومي بوجدانه وأحساسيه وعبر عما يعتمل بداخله بقصائد رائعة وندد بالاستعمارين الانكليزي والفرنسي وشارك في اسبوع نصرة الشعب الجزائري الشقيق وقد أكد لطلابه من فوق منبر التدريس على عروبة الأرض الجزائرية كما وقف الى جانب الشعب الفلسطيني وعرى الصهيونية وهاجم الاحلاف التي نشأت في الخمسينات وتصدى للعدوان الثلاثي على مصر ومجد بطولات شعب بور سعيد .‏

وقد عاش طوال حياته يحلم برؤية علم الوحدة العربية يخفق فوق سماء العروبة فلم يترك فرصة إلا وخاطب فيها ساسة العرب وقادتهم حاثاً إياهم على إشادة صرح الوحدة .‏

لهذا فقد رأى في جمال عبد الناصر زعيماً وطنياً متميزاً ورجل وحدة حقيقي يقول :‏

ومن يبن صرحاً للعروبة عالياً‏

فللوحدة الكبرى جمال هو الباني‏

أرى النيل صنواً للفرات فها هما‏

بروح العلا إلفان يعتنقان‏

لذلك فقد عول على هذه الشخصية السياسية البارزة آنذاك تحقيق الوحدة العربية :‏

ياباني الوحدة الصغرى ومحكمها‏

نرجوك للوحدة الكبرى لتعليها‏

إن الرئاسة لما ازينت وسعت‏

اليك مشتاقة جئنا نهنيها‏

لقد تجلى البعد القومي في شعر الفراتي من خلال تمجيده للشخصيات القومية رثاء ومديحاً فعندما رحل فيصل بن الحسين الذي كان يعتبره شخصية قومية كبيرة كتب فيه :‏

يامليكاً قام فينا رسولاً‏

أين تبغي الغداة عنا الرحيلا‏

كنت بالأمس للعروبة حصناً‏

كنت سيفاً على العدا مسلولا‏

وعندما توفي سعد زغلول رمز الوطنية في مصر وأحد أعلامها البارزين رثاه بقصيدة قال فيها :‏

للشرق يازغلول ماشيدته‏

عجزت بناة المجد عن تشييده‏

لله سعد كيف علم شعبه‏

إن ارتقاء المجد في توحيده‏

ورغم أن الفراتي كان يملك روحاً طموحةً وآمالاً عريضة إلا أن الاحباط تسلل الى نفسه بسبب ما رآه من مصائب حلت بهذا الوطن الكبير الممتد من المحيط الى الخليج وانعكس ذلك على صفحات شعره مما جعله يترك السياسة ويتفرغ للكتابة والترجمة خصوصاً بعد أن نفض يديه من واقع أمة رزحت تحت سنابك الجهل والتخلف ولم تستطع الخروج من أسواره المغلقة :‏

نفضت يدي من أمتي غير آسف‏

وأزمعت عن دار الهون نزوحي‏

وقلت لأوطاني مدامعك اسكبي‏

على كل حر من بنيك ونوحي‏

و يعتبر الفراتي من المثقفين الكبار إذ حمل علوم الأزهر وكان ملماً بالرياضيات والجغرافيا كما درس العربية وكتب التراث العربي وقرأ الشعر العربي في عصوره المختلفة وحفظ حماسة أبي تمام واطلع على كتب الجاحظ كما درس الفقه الاسلامي وكانت له قراءاته الفلسفية الاسلامية خصوصاً أنه يجيد ثلاث لغات التركية والفارسية والفرنسية وخاصة الفارسية التي ترجم عنها الكثير بقي أن نذكر أن الفراتي كان دائم الشكوى من الدهر وقيوده وكان يطلب العدالة بحيث يعطى كل إنسان مايستحقه ويتناسب مع مايمتلك من مواهب .‏

وكما يبدو أن الزمان قد بخل على شاعرنا أو أن الظروف التي كان يمر فيها قد حالت دون تحقيقه أمانيه يقول:‏

أريد من الزمان صفاء عيش‏

وقد ظن الزمان بما أريد‏

وكيف أنال في الدنيا منائي‏

وفي رحلي من دهري قيود‏

أباغي العدل لاتطلب محالاً‏

فما للعدل في لدنيا وجود‏

وبسبب الظروف القاسية التي كان يعيشها وعدم الاكتراث به فقد كان ساخطاً على مدينته دير الزور رغم أنه كان شغوفاً بها إذ يعتبرها مخيبة لآماله ومستمرة في توجيه الإساءات اليه:‏

اغرقي في اهانتي‏

واجهدي في مساءاتي‏

بلدتي ياابنة الهوى‏

فيك خابت فراستي‏

آه يابلدة الأسى‏

جهل قومي براحتي‏

وإذا كان الشاعر محمد الفراتي قد خلده الفرات العظيم بقرن اسمه معه فقد خلده هو أيضاً بدوره في درر من قصائده لعل أشهرها :‏

ذاك نهر الفرات فاحب القصيدا‏

من جلال الخلود معنى فريدا‏

باسماً للحياة عن سلسبيل‏

كلما ذقته طلبت المزيدا‏

وقد توفي شاعرنا في 17 حزيران من عام 1978 بعد حياة حافلة بالعطاء ومليئة بالمرارات والحزن تاركاً وراءه للمكتبة العربية مئات القصائد الرائعة والترجمات التي لم تجد من يقوم بطباعتها ونشرها والشيء المؤسف والمحزن أنه لم يحضر جنازته سوى عدد قليل من المشيعين من أهل دير الزور وأعتقد أن هذا الشيء لايعيبه أبداً فهناك شعراء كبار أصابهم هذا الاهمال مثال ذلك الشاعر بشار بن برد الذي قام بتشيعه عدد من الحضور لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة .‏

الفئة: 
الكاتب: