قــــراءة في كتــــاب .. أعـــلام النســاء فـي عالمــــــي العــــرب والإســـلام لمحمــــــــــــــد رضــــــــا كحالــــــــــــــة

العدد: 
906
- تعريف بالمؤلف وأشهر مؤلفاته :

حين يكون الدافع العلمي هو هاجس الانسان ...‏

وحين تستهويه المطالعة فيغرق نفسه في بحر الكلام الثمين...‏

وحين تطفح نفسه بالعلم والمعرفة ...‏

يصير منتهى أمله ان تعم الفائدة الجميع ، ليتذوقوا المتعة التي طالما استلذ بها وعشقها .‏

فمن هو الانسان الذي يحمل وصفاً كهذا ؟ !‏

أجل . انه كاتبنا القدير عمر رضا كحالة : ( وهو باحث ومؤلف سوري معاصر . ولد في دمشق سنة 1905 م . وتلقى العلم في مدارسها ، وعلى يد بعض شيوخها . ثم انصرف الى العمل بالتجارة ، ولكن ما لبث ان استهواه البحث العلمي ، فانصرف الى الكتابة والتأليف . وعين في تلك الاثناء موظفاً في دار الكتب الظاهرية بدمشق ، ثم أصبح مديراً لها . وهذا ما أتاح له المطالعة و متابعة البحث والتأليف طوال اثنين وثلاثين عاماً امضاها في تلك ( الدار ) موظفاً أو مديراً ، وعمل خلالها بصمت وأناة ومثابرة ، وامد المكتبة العربية بمؤلفات وموسوعات نفيسة ، حتى بلغ عدد المطبوع من مؤلفاته ( 69 تسعة وستين كتاباً )‏

أشهرها : معجم المؤلفين ، معجم قبائل العرب ، واعلام النساء ، والعالم الاسلامي ومجموعة ( حضارة العرب والاسلام ) بمجلداتها الستة وتوفي سنة 1987 م ) .‏

- السبب في اختيار ( أعلام النساء ) وأهميته الكبيرة :‏

وسأختار في هذا البحث المتواضع موسوعته المتميزة‏

( أعلام النساء ) ولعل سبب اختياري لها ، ما نعيشه من أحداث كبرى وما يحاك من دسائس يدعي مروجوها أن الاسلام حط من قدر المرأة المسلمة .‏

فرغم ان الكاتب تحدث في موسوعته عن الادوار المختلفة التي قضتها المرأة. إلا انه ضَمّن الكتاب سيرة أعلام النساء المسلمات والتي تبين مدى تقدير الاسلام للمرأة .‏

فالمرأة كالرجل .‏

قال تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعرف )‏

ولعل هذه أدل اية على مساواة المرأة بالرجل في الاسلام اذاً فقد كانت هذه الموسوعة بمثابة صفعة في وجه هؤلاء الحاقدين .‏

انها الموسوعة الاسلامية الفريدة ( أعلام النساء في عالمي العرب والاسلام ) ذلك العمل الذي جعل المرأة العربية والمسلمة محل اهتمامه ودراسته فخرج عملاً مبدعاً ضخماً يقع في خمسة أجزاء . كل جزء منها حوالي ( 400 ) صفحة.‏

وهو يترجم لاكبر عدد امكن المؤلف جمعه من أعلام النساء العربيات والمسلمات ممن كان لهن أثر بارز في العلم والحضارة والادب والفن والسياسة والدهاء والنفوذ والسلطان والبر والاحسان والزهد والورع ...‏

وبذلك يكشف لنا صفحات ناصعات من تاريخ المرأة في تراثنا وحضارتنا على مدى قرون متعاقبة .‏

فكان هذا الكتاب أوفي مرجع حتى اليوم لتراجم شهيدات النساء . حيث بلغ عددهن فيه حوالي 0062 الفين وستمئة المرأة ، ومن عصور مختلفة .‏

وقد وقف المؤلف عند نهاية الثلث الاول من القرن العشرين تقريباً ، ولم يترجم من المعاصرات الا النساء اللواتي أدركتهن الوفاة .‏

- الأهمية العلمية للكتاب :‏

ومما لا شك فيه ان الكتاب أهمية علمية كبيرة . فقد قال المؤلف في مقدمته موضحاً أهمية الكتاب وسبب تأليفه :‏

« لا جرم أن الباحث إذا أراد ان يبحث في المرأة العربية و المسلمة يجد عقبة كأداء لايذللها إلا اذا مكث ردحاً من الزمن منكباً في بطون الاسفار المطبوعة و المخطوطة لعله يظفر بطلبه و يدرك حاجته .‏

و ليس ذلك سلس المطلب سهل المرام لكل من طلب ذلك ، بل لابد من ان يتجشم في بحثه مشقة هو في غنى عنها اذا رجع الى ( أعلام النساء في عالمي العرب و الاسلام ) الذي اقدمته للناطقين بالضاد .‏

عسى ان يكون لهم مرشداً في بحثهم و معيناً يخفف عنهم العناء الذي يصادفونه خلال الدرس و التنقيب »‏

- المنهج الذي اتبعه المؤلف :‏

و قد اتبع كحالة منهجاً محدداً في الكتاب حيث رتب اسماء النساء على الحروف الهجائية من الهمزة الى الياء .‏

فاسم ( آمنة ) في باب الهمزة و ( هاجر ) في باب الهاء و هكذا كما أهمل صدور الاسماء التي تبدأ بلفظ ( أم ) أو ( ابنة ) أو ( بنت ) أو ( أخت ) . ووضع الجزء الثاني من الاسم في مورده من الباب : فبنت الشريف المرتضى في باب الشين ، وابنة الحكم في باب الحاء .‏

أما إذا تعددت أسماء المرأة و ألقابها فإن المؤلف يحيل القارئ الى الاسم الاكثر ثبوتاً و شيوعاً .‏

ففي باب الغين يذكر ( أم الغر بنت أبي حيان ) و يكتب الى جانب اسمها: ( نضار بنت محمد بن يوسف ) حيث يحيلك الى باب النون .‏

و قد ذيل المؤلف كل ترجمة بالمصادر التي رجع اليها و استمد منها مادة الترجمة ، سواء أكانت مطبوعة او مخطوطة ، مستفيداً في ذلك من ذخائر المكتبة الظاهرية بدمشق ، لتساعد القارئ على التوسع في البحث و الاطلاع ، و تأخذ بيده الى تفصيلات اخرى لم يتسع لها حيز الكتاب .‏

إلا أن المؤلف عندما يسرد المصادر يكتفي بذكر اسم المصدر و مؤلفه ، و يغفل ذكر الصفحات التي وردت فيها الترجمة ، و مكان طبع الكتاب و تاريخه ، و قد اختلف حجم التراجم طولاً أو توسطاً او قصراً بحسب شهرة المرأة نفسها ، فقد تقصر ترجمتها حتى تصبح جملة او جملتين كقوله :‏

( فائقة بنت عبد الله من فواضل نساء عصرها كانت تجلس في مجلس امير المؤمنين المهدي و حكي عنها )‏

و قد تتوسط كما في ترجمة ( مَلك حفني ناصف ) التي بلغت ( 27 ) صفحة .‏

و قد تطول الترجمة و تتخللها الاخبار و الاشعار كما في ترجمة أم المؤمنين (عائشة بنت أبي بكر الصديق ) التي بلغت ( 123) صفحة .‏

نصوص مختارة :‏

و الكتاب زاخر بالتراجم التي تشد القارئ . و فيه الكثير من السير الطريفة و الاقوال الحكيمة و المواقف المؤثرة و غيرها من الاخبار .‏

و ليس لي في هذه الصفحات القليلة من البحث إلا أن أذكر بعض الاعلام التي اخترتها من أجزاء الكتاب .‏

و هي كما جاءت في الكتاب :‏

الجمانة بنت المهاجر بن خالد بن الوليد :‏

من ربات الفصاحة و البلاغة نظرت الى عبد الله بن الزبير وهو يرقى المنبر يخطب بالناس في يوم جمعة ، فقالت حين رأته رقى المنبر : أيا نقار يا نقار أما و الله لو كان فوقه نجيب من بني أمية أو صقر من بني مخزوم لقال المنبر طيق طيق ، فأنمي كلامها الى عبد الله بن الزبير .‏

فبعث اليها فأتى بها فقال لها : ما الذي بلغني عنك يا لكاع ؟‏

قال : الحق يا امير المؤمنين قال : فما حملك على ذلك ؟‏

قال : لا تعدم الحسناء ذامَّاً والساخط ليس براضٍ ومع ذلك فما عدوت فيما قلت لك ان نسبتك الى التواضع والدين وعدوك الى الخيلاء والطمع ولئن ذاقوا وبال امرهم لتحمدن عاقبة شأنك وليس من قال فكذب كمن حدث فصدق وانت بالتجاوز منك جدير ونحن للعفو منك اهل فاستر على الحرمة تستتم النعمة فو الله ما يرفعك القول ولا يضعك وان قريشاً لتعلم انك عابدها وشجاعها ولسانها حاط الله دنياك وعصم اخراك وألهمك شكراً ما اولاك . « بلاغات النساء لطيفور »‏

سكن امة محمود الوراق :/11/‏

شاعرة من شواعر الاماء قال ابن المعتز : حدثني محمد بن ابراهيم ابن ميمون قال : لما اراد محمود بيعها رفعت الى المعتصم قصة تسأله ان يشتريها فلما نظر في قصتها خرقها ورمى بها لانه كان اراد مرة ابتياعها فأبت فقالت سكن في ذلك :‏

ما للرسول اتاني منك باليأس‏

احدثت بعد وداد جفوة القاسي‏

فهبك ألزمتني ذنباً بظلمك لي‏

ماذا دعاك الى تخريق قرطاسي‏

يا متبع الظلم ظلماً كيف شئت فكن‏

عندي رضاك على العينين والرأس‏

« مشاهير النساء لمحمد ذهني . نزهة الجلساء في اشعار النساء الوافي بالوفيات للصفدي مخطوط »‏

ام عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب : /12/‏

من ربات الفصاحة والبلاغة قالت لما مات عبدالله : ان عبدالله كان ظهراً فانكسر واصبح اجراً يُنتظر وان في ثواب الله لعزاء عن القليل وجزاء على الكثير .‏

ونلاحظ من هذه النصوص ان الكاتب بين المعنى المراد بوضوح وايجاز ولم يكثر من التعليقات بل اكتفى بذكر الخبر تاركاً للقارئ ولانطباعاته حرية تكوين الرأي .‏

تعليق على ما تقدم :‏

واخيراً لابد من كلمة حق وانصاف لهذا الكتاب النادر ومؤلفه الذي حمل على عاتقه مسؤولية التعريف بنساء فاضلات .‏

حيث تعدينا صفحات الكتاب الى احداث الماضي القريب منه والبعيد .‏

اما نحن فيجدر بنا بعد ان وصلنا الكتاب دون جهد يذكر ألا نجحد فضل المؤلف وتعبه وان نقدره بالاستفادة منه ولابد لنا ونحن نتأهب لمستقبل كبير ان نستوعب ماضينا لننطلق منه انطلاقة صحيحة فالغراس الطيب والشجرة المباركة هي التي تضرب جذورها في اعماق الارض فلا تهزها الريح ولا تقتلعها العاصفة .‏

وتاريخنا لم يبخل علينا لبطولات الآباء والامهات على حد سواء .‏

الفئة: 
الكاتب: