الرقة وملامح أصالة حضارية موغلة في القدم أوابد أثرية وانتاج علمي له دلالته

العدد: 
506
تحتضن الرقة العديد من الأوابد والمعالم الأثرية التي لاتزال شامخة تدل على عراقتنا وأصالتنا .. ومن هذه الأوابد سور الرقة العظيم .. ولانخفي مالقي هذا المعلم الأثري الكبير من رعاية واهتمام كبير من قبل معظم المسؤولين في هذه المحافظة المعطاء .

والحديث عن سور الرقة والمعالم الأثرية الأخرى في المحافظة له نكهة خاصة بعد العناية التي شهدتها عمليات الترميم وصيانة الأوابد من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف .. حيث تكللت هذه العمليات بعد جهود مضنية من العمل الشاق إلى إعادة ما تهدم من السور وإعادته إلى حالته الطبيعية التي كان عليها وبذلك حمي من الزوال والاندثار وأصبح من المعالم الأثرية الحضارية والسياحية التي تجذب وتستقطب أنظار الزوار والسياح , وإن ما ساعد مديرية الآثار بالرقة في أعمالها لترميم السور والأوابد الأثرية هي صناعة الآجر المشوي بذات الطريقة التقليدية القديمة ولقد تم إقامة معمل حديث وصلت تكاليفه أكثر من 40 مليون ليرة سورية لصناعة الآجر المشوي مما ساهم وساعد وبشكل كبير ودفع عمليات الترميم إلى الأمام , والرقة أشهر من أن تعرف فليس هناك من باحث أو دارس يجهل تاريخها وماضيها وما من متحف بالعالم إلا ويزهو بلقى أثرية مصدرها الرقة أو آنية خزفية صنعت بالرقة ومن هنا لم يكن غريباً أن تنال مدينة الرقة جائزة الدرع الذهبي للتراث المعماري لمنظمة المدن العربية , وذلك تقديراً لجهودها في إحياء وترميم المباني التاريخية والأثرية في المدينة .‏

الملامح الأثرية في المدينة‏

تعرف الرقة المدينة الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات باحتضانها لأوابد أثرية وملامح حضارية قديمة وواضحة ومتماسكة تؤكد أصالة المدينة وتوغلها في التاريخ العربي القديم ومساهمتها الفاعلة في مسيرة الحضارات الإنسانية التي شهدتها سورية وبالأخص في منطقة حوض الفرات نذكر من أهمها سور الرافقة والقصور وقلعة جعبر .‏

ولقد أثبتت التنقيبات الأثرية في مدينة الرقة أنه في /تل مريبط / أقيمت أقدم منازل بشرية يستحق أن تحمل اسم منازل وتبين أنه منذ عشرة آلاف سنة سكن الإنسان في محيط مدينة الرقة وفي مكان يقع قرب موقع سد الفرات في مساكن ذات جدران مستقيمة وأرض مكلسة ومغطاة بالفخار .‏

وبين الحين والآخر يكتشف أثر أو تفك رموز لوحة طينية فيرفع الستار عن مجهولات أوتصحح معلومات عن التاريخ فمثلاً بلدة / توتول / التي كانت مدينة عامرة في عهد الملك / زمر ليم / ملك ماري المعاصر ل¯ / حمورابي / في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد كان يعتقد وجوده في موقع بلدة / هيت / العراقية إلى أن تبين موقعها الصحيح في تل البيعة بالقرب من مدينة الرقة .‏

أما الناحية الكلاسيكية فالرقة وانطاكية كانتا من أكمل مدن الشرق تنظيماً عمرانياً بشوارع مستقيمة متقاطعة شطرنجياً وأبنية منظمة على جوانب تلك الشوارع وكانت تسمى / كالينكوم/ أو / كالينكي نيقوفوريوم / التي بناها سلوقوس .‏

وفي العهد الإسلامي ارتبط اسم هذه المدينة باسم / هارون الرشيد / وفي عهده الذي دارت فيه أجمل حكايات ألف ليلة وليلة حيث كانت الرقة مسرحاً لمظاهر الترف والغنى والعز من قبله كما في عهده ففيها أجرى / هشام بن عبد الملك / نهرين أحاطا بموقعها وفيها أقام ذلك الخليفة سباقاً اجتمع فيه من جياده وجياد غيره / 4000/ رأس من الخيول الأصيلة فلم ير مثلها لأحد قبله ولا رؤى لأحد بعده أما في أيام هارون الرشيد كانت حقيقة الرقة أروع من الأساطير ففي قصر السلام الذي يقطنه هارون الرشيد يتدافع الشعراء لإلقاء قصائد التهنئة والتمجيد .‏

وحين عاد الرشيد إلى الرقة بعد أن غزا بلاد الروم وأجبرهم على دفع الجزية تأتي الأخبار بأن / نفقور / ملك الروم نقض عهده مع الرشيد فغزا الرشيد بلاد الروم مجدداً وفتحها عنوة وعاد قافلاً إلى الرقة وبنى قصر هرقله .‏

ودفن في الرقة مجموعة من أصحاب الرسول صلى ا عليه وسلم ومن تابعيهم مما جعلها مهوى أفئدة المتعبدين والإتقياء مثل الصحابي الجليل عمار بن ياسر و التابعي الزاهد أويس القرني .‏

ومن أهم ملامح الرقة الأثرية والتي لاتزال شاهدة على قوة الحضارة العربية :‏

سور الرافقة‏

جاء تصميم مدينة الرافقة مشابه تماماً لمدينة بغداد لكن الطبيعة فرضت في مدينة الرافقة سوراً على شكل حدوة حصان بينما في مدينة بغداد كان السور دائرياً .‏

,كان للرافقة سور مضاعف بينهما خندق يحيط بجميع جهاته عدا الضلع الجنوبي الملامس لضفة نهر الفرات .‏

أما قسمه السفلي فقد بني بدون زخارف مما يضفي عليه مشهداً آخاذاً وهناك بوابات على شكل طاقات نفذت في السور الداخلي الرئيسي ووظيفتها تحقيق حرية الحركة والاتصال مابين المرابطين على السورين والصعود والهبوط من على جسم السور الرئيسي الداخلي ويمتد من كل بوابة شارع مستقيم يخترق المدينة إلى رحبة مركزية تتوسطها بني داخل هذه الرحبة قصر الإمارة والمسجد الجامع وتقدم السور الخارجي خندق كان يزود بمياه الفرات مباشرة .‏

القصور في مدينة الرقة‏

تم الكشف عن عدة قصور في المدينة منها قصر المعتصم/833 -42 8 م/الذي بنى على شكل مستطيل من اللبن والآخر وهو مكسو بملاط أبيض مع غرف قليلة في الجهة الجنوبية ويضم أقساماً متعددة تصل إلى داخله عن طريق حديقته الكبرى الواقعة عند مدخله الرئيسي في الجهةالشمالية ولها ثلاثة أبواب مدعومة بأبراج نصف مستديرة مفرغة ولجوانب الأبواب دعامات مربعة ومن أهم أقسامه جناح الشؤون العامة ودار للضيافة وجناح الحريم والإيوان وأهم ما يمتاز به القصر الخشب المحفور والمذهب والخشب الملون وقطع الزجاج الملون والتي استعملت كعناصر زخرفية .‏

أما القصر الثاني فيقع جنوب شرق قصر المعتصم ويبعد عنه بمسافة تصل إلى /98/ متراً ويحده في الجهة الغربية طريق جسر الشئين القائم على نهر البليخ كما هو معروف في ذلك الوقت ..وشيد القصرعلى شكل مستطيل مع قليل من الانحراف وقد بلغت مقاييسه /160/ متراً طولاً و/117/ متراً عرضاً ويتراوح أرتفاع جدرانه المتبقية بين المترين والمتر وهو يكبر قصر المعتصم وقد بلغت سماكة جداره الخارجي /180/ سم تدعمه أبراج نصف مستديرة وعند زواياه أبراج مستديرة بلغ قطرها /60 4,/ م تشبه مقاييسها أبراج القصر الغربي وجميعها بالملاط الأبيض‏

يمكن للقصر أن يكون بمثابة حصن دفاعي عند الحاجة ويتألف القصر من خمسة أقسام معمارية ثلاثة منها داخلية واثنان خارجيان هما الحمام في الغرب والمسجدفي الشمال وللقصر بابان الرئيسي منها يقع في الشمال والآخر في الجنوب يتصل الشمالي بالباحة الكبرى العائدة لجناح الشؤون العامة .‏

ومن أهم الأبنية المتبقية الرواق الغربي الذي لم تقتصر مهمته على المرور بل كانت لواجهته دعامات متباعدة تتوسطها مصاطب للجلوس زين وسطها بأشرطة جصية مزخرفة بأشكال متنوعة .‏

أما القصر الثالث فيقع إلى الشرق من القصر الثاني مع انحراف نحو الجنوب ويتألف سطحه من مجموعة هضاب صغيرة متلاصقة تشكل بمجموعها الحرف /يو/ اللاتيني وللقصر مدخلان واحد في الجنوب وآخر في الشمال تمر بجانبه من الجهة الشمالية القناة المتفرعة عن نهر البليخ ويتصل مدخله الجنوبي بقاعةكبرى بلغت مقاييسها /6 8 5, /و /0 4 6, /م ولها ثلاثة أبواب وعند طرفيها الشرقي والغربي أبواب زينت باللوحات الجصية المزخرفة بأشكال معمارية وهندسية محورة مستمدة أشكالها من شجرة الكرمةولجوانب الأبواب أشرطة متشابهة يقابلها أبواب أخرى مطلة على ممر يصل فيما بينها وبين قاعات ثلاث مشيدة باتجاه الشمال والجنوب أكبرها القاعة الوسطى يفصل فيما بينهماممران وللقاعة المذكورة محرابان مربعا الشكل يقعان على جانبي الباب مزينان بالزخارف الجصية الجميلة .‏

ويضم الجناح الشرقي للقسم المذكور أربع دور للسكن غير متساوية المسافة وللقصر مسجد صغير في الشمال يتألف من قاعة للصلاة لها ثلاثة أبواب ومحراب مربع زينت واجهته بالزخارف الجصية وعند زاويتي المحراب عمودان لهما تاجان أما قصر البنات فهو قائم في الجهة الشرقية الجنوبية من الرافقة وضمن أسوارها ولم يبق منه إلا الأطلال الضخمة ويعودالقصر إلى القرن الثاني عشر الميلادي ويبدو أن الأطلال في ذلك الوقت كانت أكثر ارتفاعاً بمعدل عشرة أمتار .وذكر المؤرخون أن هذا القصر لم يسكن بعد العهد الأيوبي ومن المؤكد أنه هجر بعد حريق هائل شب فيه .‏

قلعة جعبر‏

تتربع قلعة جعبر فوق هضبة صخرية هشة شامخة على الضفة اليسرى لنهر الفرات ومهيمنة على هذا النهر العظيم وتبعد حوالي العشرين كم عن سد الفرات وتنسب هذه القلعة إلى / جعبر بن سابق القيسري/.‏

ويذكر /ابن خلكان /في كتابه/ وفيات الأعيان /أن دوسر غلام /النعمان بن المنذر /ملك الحيرة كان قد تركه النعمان على أفواه الشام فنسبت إليه ومما تقدم نرى أن ثمة اسمين اثنين لهذه القلعه يقعان في فترتين متباعدتين أولهما /الدوسرية / ويعود إلى ما قبل الإسلام وثانيهما /جعبر / ويرجع للقرن الخامس الهجري .‏

وتقع قلعة جعبر فوق هضبة كلسية قابلة للتفتت عند ملامستها للماء تصل قمتها إلى 347 متراً عن سطح البحر أثرت على قاعدتها عوامل الطبيعة فتآكلت حوافها وأصبحت كقعطة فطر ضخمة .ولهذه القلعة شكل متطاول يبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب /320/متراً ومن الشرق إلى الغرب /170 / متراً ويحيطها سوران ضخمان يضمان عدداًكبيراً من الأبراج يبلغ /35/برجاً بعضها مربع وبعضها مسدس أو مثمن وبعضها الآخر دائري الشكل وقد أنشى ء في وسطها مسجد مازالت مئذنته شامخة في أعلى نقطة من القلعة كما أنشئت مبان لها أهميةكبيرة في الزواية الجنوبية الغربية منها لعلها كانت بيوت صاحب القلعة وأمرائها.‏

الملامح العلمية في المدينة‏

البتاني فلكي الرقة الكبير:‏

من أشهر علماء العرب في الفلك والرياضيات يسميه البعض بطليموس العرب أو البتاني هو أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الرقي ولد سنة /850 م/ في ناحية بتان قرب حران وعاش معظم حياته في مدينة الرقة وقام بها بمعظم مشاهداته وأبحاثه العلمية في الرياضيات والفلك وتوفي عام /929 /م في قصر الجوسق قرب سامراء .‏

قام بأول أرصادعام /77 8 /م في الرقة وكانت نتائجه في الفلك والرياضيات هامة بحيث ظلت كتبه متعمدة لدى علماء أوروبا عدة قرون ويعتبره /لالاند / الفلكي الفرنسي الكبير الذي عاش في نهاية القرن الثامن عشر من الفلكيين العالميين العشرين المبرزين الذين أنجبتهم الإنسانية .‏

درس البتاني مؤلفات بطليموس وشرح مقالاته الأربع ولم يكتف بالشرح بل قام بملاحظات ومشاهدات فلكية في المرصد الذي أقامه في الرقة وصحح الكثير من نتائج /بطليموس / واستنتاجاته النظرية كما صحح حركات الكواكب ومواقهعا من منطقة فلك البروج كما وحدها بالمرصد .‏

وكان البتاني من الرواد الأوائل لعلم المثلثات فاستخدم مفهوم الجيب بشكل واضح بدلاً من استخدام الأوراتار كما كان يفعل الإغريق وادخل مفهوم جيب التمام والظل وظل التمام للزوايا ودرس المثلثات الكروية ومن أهم كتبه : مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك ورسالة في تحقيق أقدار الاتصالات وشرح المقالات الأربع لبطليموس .‏

الفئة: 
الكاتب: