والشعراء هم الذين سجلوا.. وأرّخوا للمقاومة وصوروا مواقفها.. وتضحياتها وابرزوا معاني البطولة والفداء وما دفعني لكتابة هذه السطور ما يجري في بلدة جنين داخل الارض المحتلة حيث اعادت هذه الاحداث صورة احد ابنائها الشاعر برهان الدين العبوشي فهو الشاعر المقاوم والمناضل ابن جنين.
لقد ولد الشاعر في هذه البلدة المجاهدة والصامدة في عام 1911 وفي هذه البلدة تلقى دراسته للمرحلة الابتدائية ودعته الظروف التي مرت به ان ينتقل إلى بلدة نابلس ليتم فيها دراسته الثانوية ويتابع الرحلة إلى لبنان وفي بلدة الشويفات ينهي دراسته الثانوية حيث كان راغباً بمواصلة الدراسة وانتسب إلى الجامعة الامريكية وامضى سنة واحدة فيها
وبدأ يساهم في الحركة الوطنية آنذاك واعمال المقاومة وناصر المجاهد عز الدين القسام في ثورته ضد المحتل ونظم القصائد التي كان ينبه فيها الشعب على الخطر المحدق بالبلاد . ودعا إلى الثورة ، ورفض الاستيطان وحث على المقاومةوندد بالانكليز وصور جرائمهم التي ارتكبوها بحق الشعب العربي في فلسطين ودعا الى الحرية والحياة العزيزة الكريمة .
فلا تقعدوا فالحزم لم يك قاعداً ولا تفزعوا بل جردوا السيف وامنعوا
سواء لدنيا العيش والموت إنما نريد حياة العز كالشمس تسطع
وصبوا اللظى فالحرب إن جد جدها فنحن لها نسقي العداة ونجزع
كما إنه يوضح للشعب الطريق التي يجب أن يسلكها ليحصل على النصر ويحققه لان العدو لا يفهم إلا بلغة واحدة هي لغة المدفع :
لغة القوي المستبد قنابل إن لم تكلمه بها لم تنصر
ومشيت فوق الهام تسبح بالدما تلقى الرؤوس بحد سيف ابتر
ولما لجأ الاستعمار البريطاني إلى ارسال لجان التحقيق حيث كان يعتقد أن هذه اللجان ستحل القضية ولكن الشاعر ادرك بحسه المرهف اللعبة بل المؤامرة فندد بهذه اللجان :
وما لجنة التحقيق إلا خديعة وضرب من الكفر السياسي يخدع
متى كان نور الشمس يحتاج للجنة تؤكده والشمس في الأفق تطلع
فالحق واضح كالشمس .. ولا يمكن اخفاء ضوء الشمس بغربال ..
وهذه المواقف التي قام بها الشاعر ضد الاستعمار البريطاني ادت إلى اعتقاله ونفيه عام 1936 وامضى في منفاه عوجا الحفير فترة طويلة ، ونقل إلى معتقل صرفند ، وبعدها إلى معتقل المزرعة قرب عكا ، ولم يكن الاعتقال يوقف الشاعر عن قول الشعر الذي كان يحدد هدفه وهدف الشباب الذين يعتز بهم لدفاعهم عن الأرض ويرفض بيعه .
نغامر لا نرضى سوى المجد موطناً ولسنا نبالي إن نأى الموت أو دنا
لنا حقنا الوضاح لسنا نبيعه وكيف يبيع الحق من كان مؤمنا
لقد جهزنا للدفاع عن الحق قلوباً صلدةً ونفوساً أبية يحملها شباب آمن بحقه بأرضه فرفض أن يقايض عليها .
وقفنا له قلباً حديداً وأنفساً تحطم في أرجائها الموت والقنا
لنا المجد لا تبنيه إلا شبيبة ورود المنايا عندها غاية المنى
فالشاعر العبوشي لم يثنه المعتقل والتعذيب عن هدفه ولم يرهبه النفي إنما استمر في مطالبة المستعمر بحقه .
وفي حفل اربعينية الشهداء الذي قضوا في المقاومة قال : إنه كان في شوق شديد للموت مادام هذا الموت من أجل عز الوطن ومن أجل أن يبقى كريماً عزيزاً مهاب الجانب :
إيهٍ أيا وطني أتوق إلى الردى من أجل مجدك كي تعيش مكرماً
فلسوف نصنع بالدماء ربوعنا حتى نراك معززاً متبسّما
وهو يرفض أن يدفن شهداء الوطن إلا في الأرض التي استشهدوا عليها لأن أرض الوطن مقدسة عنده مادامت هذه الأرض تضم رفاة الشهداء :
قالوا ادفنوهم في السما فقلت لانرتضي ان تدفنوهم في السما
إن التي تُسقى دماء مجاهد أحرى واجدر أن تضم الاعظما
لن تفضل الأرض السماء في الثرى من عربنا شهداء عاشوا أنجما
لوحق من قبل قوات المحتل مما اضطره الى التوجه الى بيروت وذلك بعد اطلاق سراحه من المعتقل وفي بيروت وجه كثيراً من قصائده الى كل مقاوم والى الشعب العربي فهذا الموقف من الشاعر لم يرضَ عنه المحتل فضايقه وتوجه الى دمشق مروراً وكان هدفه السفر الى بغداد وفيها عمل في التعليم لمدة سنتين وشارك بثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الاحتلال البريطاني ، وجرح في احدى المعارك ، وانتقل الى حلب ومنها الى فلسطين سراً وفي فلسطين عمل ببنك الامة العربية حيث كان يعمل فيه قبل خروجه من فلسطين وقبل رحيله الى بيروت .
وساهم في هذه الفترة في اثارة الشعب الفلسطيني ضد الغزو الصهيوني ودعاه الى تأسيس صندوق الأمة العربي ، وساهم مجاهداً في حرب 1948 وكان مقاتلاً في سهول جنين وجرح في احدى المعارك وبعد النكبة قصد بغداد وعين معلماً للغة العربية والدين في احدى ثانوياتها ، ترك للمكتبة العربية مجموعة من المسرحيات والدواوين الشعرية من مسرحياته: وطن الشهيد - 47 - شبح الأندلس - 49 - عرب القادسية - 51 الفداء 48 جبل النار 56 والنيازك 67 . وقد انتقل الى جوار ربه 1970 ويبقى إبن جنين المناضلة أحد المناضلين بالسلاح والكلمة .