نقول : ناقشت اللجنة رسالة الطالب ، وعقدت الإدارة جلسة لمناقشة الميزانيَّة ، ويواصل المؤتمر مناقشة الموضوعات المدرجة في جدول الأعمال . . .
فكيف أخذ النِّقاش والمناقشة ، مثل هذا المعنى ؟
في الفعل الثلاثي ( نَقَشَ ) ، بفتح حروفه ، إنَّه من « النَّقْش « ـ بمعنى : التَّلوين ، كما هو معروف .
ومنه أخذ « النَّقش « معنى الأثر الذي تتركه الأقدام على الرِّمال ، كما أخذ معنى « الدينار « للنَّقش الذي فيه .
وتقول العرب : انتقش الشَّوكة ، بمعنى : أخرجها ، فهي تترك أثراً كالنَّقش في موضعها ، ومن تسمية الدينار « نقشاً « قالوا : انتقش حقَّه ، بمعنى أخذه ، كما تُنتقش الشَّوكة ، ولا يخفى أنَّ انتقاش الحساب يولِّد حالة من المماحكة والمجادلة بين الدائن والمَدين ، ومن هذه الحالة ، أُخذ « النِّقاش والمناقشة « معنى : المجادلة والمماحكة .
فالقول : ناقشه الحسابَ ، بمعنى استقصى في حسابه ، فأخذه كاملاً .
وبهذا المعنى ، لا يكون « النِّقاش أو المناقشة « قد أفادا الدَّرس والبحث ،كما هو المراد في العبارات السَّابقة .
ولكن ، يبقى السؤال : كيف يصحُّ أن تُعقد المناقشة بغرض المجادلة والمماحكة ، فنغفل الغرض الأساس الذي عُقدت عليه المناقشة ؟
فالنِّقاش الذي يُبنى على المجادلة والمماحكة ، لا يخرج عن دائرة اللغو المُفرغ من أيِّ قيمة ، ما دام معقوداً دون هدف مُعيَّن أو غرض محدَّد ، ومن الغُبن أن نفترض مثل هذه الحالة في النِّقاش والمناقشة .
فحالة المجادلة تقتضيها حالة التباين في وجهات النظر وتعدَّد الآراء لدى أطراف ، وتكون السَّبيل الأمثل للتقويم الصَّحيح ، واتخاذ القرار المناسب .
ومن خلال كل ما تقدَّم ، واستقراء التَّطوّر في معنى « النَّقش و التَّنقيش والنِّقاش « تتوضَّح لنا حيويَّة هذه اللغة ، بما يمحِّضها القدرة أن تحتلَّ موقعها المتقدم في أسرة اللغات الإنسانية الحيَّة .
سـراج جراد