يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - دير الزور
طباعةحفظ


شعر الطبيعة والجمال

د. أحمد زياد محبك
الاحد 11- 1- 2009
لا بد للمرء من أن يقرّ أن الشعر على أضرب وأنواع وفنون، وليس ضرباً واحداً، ففيه ما هو ممتع وفيه ما هو مفيد، وفيه ما يحمل فكرة أو فلسفة أو حكمة أو يعبر عن قضية أو موقف، وفيه ما يزيح الهم عن النفس، ويجلو الغم،

ويدعو إلى متعة أو لذة، أو يكون خالصاً للجمال الصافي. وليس هذا الضرب بأفضل من ذاك الضرب، ولا هذا النوع بأقل قيمة من ذاك، والمعوّل عليه في الحالات كلها حسن التعبير، وجمال الأداء، وبلاغة القول، ومناسبة المقال للمقام، والقدرة على تحقيق التناسب والانسجام والوحدة، أي إنّ القيمة في نقل الكلام من لغة عادية إلى لغة شعرية، ولا يمكن أن تكون القيمة في الفكرة وحدها ولا في الهدف وحده، مهما كانت قيمة الفكرة عالية، أو كان الهدف نبيلاً. ومثل هذه التنوع في الشعر، والاختلاف والتعدد هو الذي يعطي الشعر قيمته وجماليته، مثله في ذلك مثل الحياة نفسها، وهي لا تقوم إلا على التنوع والاختلاف والتعدد، وفي هذا تكمن حقيقتها، وفي هذه الحقيقة يكمن الجمال.‏

ولابن الرومي، الشاعر العباسي (221- 283هـ)- (835- 896م) نص جميل، يتغنى فيه بالجمال، ويزيح به الهم عن الصدر، يصور فيه قوس قزح، فيقول:‏

وساق صبيح للصبوح دعوته فقام وفي أجفانه سنة الغمض‏

يطوف بكاسات العقار كأنجم فمن بين منقض علينا ومرفضّ‏

وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً على الجو دكنا والحواشي على الأرض‏

يطرزها قوس السحاب بأخضر على أحمر في أصفر إثر مبيضّ‏

كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض‏

إن ابن الرومي يقف من قوس قزح موقفاً متميزاً، هو موقف جمالي بحت يدعو فيه إلى الاستمتاع بالطبيعة، وقطف الملذات في رحابها الغناء، والإفادة من تألق قوس قزح في تحقيق مزيد من المتعة وإطلاق طاقة الخيال.‏

فالشاعر يوقظ في الصباح الباكر الساقي، ويدعوه إلى احتساء الخمر، فيصحو والنوم ما يزال يداعب أجفانه، ويصب له الخمر في كاسات زجاجية متألقة مثل النجوم وقد ملأت السماء غيوم داكنة، ومطرها منهمر على الأرض، وقد تألق خلالها قوس قزح بألوانه المتعددة، مثل حسناء أقبلت في عدة أثواب ملونة، وبعضها أقصر من بعض، ولكل ثوب لونه المتميز.‏

فالشاعر يحس بمتعة الكون كله، فهو لا يشرب الخمرة وحده، إنما يأنس بصحبة الساقي، ويرتاح إلى بهاء وجهه، ويحس بجمال الكؤوس وهي تدار عليه، كما يستمتع بالغيم والمطر المنهمر، ويحس بروعة قوس قزح وتعدد ألوانه، ويثور خياله لرؤيته، فيراه مثل امرأة صبية قدمت عليه في حلل ملونة متعددة.‏

والشاعر يعبر بذلك عن نزعة حسية قوامها المتعة، وهو لا يجدها في الخمرة فحسب، بل يجدها في الكون كله، وقد رسم صورة موحدة، جمع فيها الساقي والخمرة والكؤوس والغمام والمطر والألوان والمرأة، وما هي بعناصر مفككة، أو مجمّعة، بل هي عناصر موحدة، بعضها يتفاعل مع بعضه الآخر، فبهاء وجه الساقي يزيد من متعة الشرب، وتألق الكؤوس وكثرتها مثل النجوم تضيف متعة أخرى، ومثلما يشرب الشاعر ويرتوي، كذلك تشرب الأرض من السحاب وترتوي، ومثلما تزول دكنة الغيوم بهطول المطر، وتشرق الشمس، كذلك يزول الهم والحزن عن نفس الشاعر وتشرق روحه، ومن ثم ينتصب قوس قزح بألوانه تعبيراً عن ألق الكون وبهجته، وهي صورة معادلة لبهجة الشاعر وسروره، ويزداد السرور اكتمالاً بحضور المرأة التي أقبلت في ثياب ذات طبقات متعددة الألوان.‏

فالشاعر يتخذ من الكون بنجومه وغمامه وأمطاره وقوس قزحه وألوانه وسيلة للإحساس بالمتعة واللذة والشعور بالجمال ولا شيء وراء ذلك الجمال سوى الجمال نفسه، الذي هو غاية في ذاته. ومما لاشك فيه أن الشاعر قد أزاح الهم عن نفسه وجلا حزنها بما عبر عنه في هذه اللوحة الفنية المكتملة.‏

والقصيدة في تعدد عناصرها من طبيعة وخمرة وساق وامرأة وما يكون فيها جميعاً من متعة بالإضافة إلى ذكر الألوان والأصباغ والثياب وكؤوس الخمرة تدل في مجموعها على دقة في الحس، ورهافة في الذوق، وترف في العيش، كما تدلّ على استغراق في المتعة.‏

والقصيدة بعد ذلك قصيرة موجزة مكثفة، وهي ذات وحدة في الغرض والشعور والفن، وهي تمثل الوحدة العضوية أصدق تمثيل.‏

ومن الممكن نسبة هذه القصيدة إلى مذهب الفن للفن، الذي لا يبغي وراء الفن شيئاً، ولا يمكن التقليل من قيمة هذه القصيدة إذا لم تخدم غرضاً من أخلاق أو فكر، وحسبها أنها قدمت لوحة فنية جميلة.‏

ولكن معظم الناس يحبون شعر الفكرة والموعظة والغاية الأخلاقية أو القومية أو الوطنية، حتى طغى الفهم الخاطئ لوظيفة الفن والشعر، وغدا الفن لخدمة الفكر فقط، واستقر في أذهان الناس تقسيمات غير أدبية، كتقسيم الشعر إلى شعر وطني وشعر قومي وشعر اجتماعي، ونسوا القيمة الفنية، وانصب كل اهتمامهم على المضمون والمحتوى، وهنا يسأل المرء: أين الشعر الوجداني؟ وأين الشعر الذاتي؟ لا بدد من تصحيح المفهومات المستقرة، التي حولت الشعر إلى مجرد رفوف يوضع فيها الشعر أو الشاعر، ولكن الشعر الحق ليس كذلك.‏

إن الشعر رؤية للعالم، وموقف من الحياة، ووسيلته الأساسية في التعبير هي الصورة والإيقاع، وهو يتخذ من اللغة وسيلة لذلك، ولكنه لا يعبر باللغة العادية، أي لا يستخدم اللغة بمعناها المعجمي، إنما يستخدم اللغة بما لها من عمق تاريخي وثقافي، وبما تمتلك من ظلال وإيحاءات، والشعر لا يخاطب العقل، فما هو بمقولات أو حكم، إنما يخاطب العقل والحس والوجدان والشعور، هو يتوجه إلى الإنسان بقواه كلها، الفاعلة والمنفعلة، ولا بد من تلقي الشعر بهذه القوى كلها، لا بالعقل وحده، ولذلك من الخطأ أن نشرح الشعر، فالشعر لا يشرح، إنما يتم تلقيه بالعواطف والانفعالات والمشاعر، الشعر يعاش حالة من الوجد والانعتاق والحرية، ولذلك كانت قراءة الشعر مختلفة كلياً، هي شكل من أشكال التعامل مع العالم كله، ومحاولة الولوج إلى أعماق الإنسان.‏

تعليقات الزوار
الأسمالتعليقالتاريخ
رانيا مريوة 
rania@yahoo.com
هذا شعر جميل يتحدث عن الطبيعة و الجمال 04/05/2010 11:17
محمد 
white_eagle1@live.com
يبدو واقعيا وانا احببته02/11/2010 19:15
مايا 
MAYOU MAYA@YAHOO.COM
رائع جدا.شكرا لقد اعجبني14/04/2011 14:18
مايا 
SAM.GH@WINDOWSLIVE.COM
شكرا شكرا شكرا .رائع 14/04/2011 14:20
مترجية  
مترجية @live.fr
من فضلكم اريد شعرا يعبر عن الطبيعة و الوجدان ليوم الغد pleasبلييييييييييييييييييييييييييييييز16/04/2011 13:19
asma 
asma@yahoo.com
طباعة حفظ شعر الطبيعة والجمال د. أحمد زياد محبك الاحد 11- 1- 2009 لا بد للمرء من أن يقرّ أن الشعر على أضرب وأنواع وفنون، وليس ضرباً واحداً، ففيه ما هو ممتع وفيه ما هو مفيد، وفيه ما يحمل فكرة أو فلسفة أو حكمة أو يعبر عن قضية أو موقف، وفيه ما يزيح الهم عن النفس، ويجلو الغم، ويدعو إلى متعة أو لذة، أو يكون خالصاً للجمال الصافي. وليس هذا الضرب بأفضل من ذاك الضرب، ولا هذا النوع بأقل قيمة من ذاك، والمعوّل عليه في الحالات كلها حسن التعبير، وجمال الأداء، وبلاغة القول، ومناسبة المقال للمقام، والقدرة على تحقيق التناسب والانسجام والوحدة، أي إنّ القيمة في نقل الكلام من لغة عادية إلى لغة شعرية، ولا يمكن أن تكون القيمة في الفكرة وحدها ولا في الهدف وحده، مهما كانت قيمة الفكرة عالية، أو كان الهدف نبيلاً. ومثل هذه التنوع في الشعر، والاختلاف والتعدد هو الذي يعطي الشعر قيمته وجماليته، مثله في ذلك مثل الحياة نفسها، وهي لا تقوم إلا على التنوع والاختلاف والتعدد، وفي هذا تكمن حقيقتها، وفي هذه الحقيقة يكمن الجمال.‏ ولابن الرومي، الشاعر العباسي (221- 283هـ)- (835- 896م) نص جميل، يتغنى فيه بالجمال، ويزيح به الهم عن الصدر، يصور فيه قوس قزح، فيقول:‏ وساق صبيح للصبوح دعوته فقام وفي أجفانه سنة الغمض‏ يطوف بكاسات العقار كأنجم فمن بين منقض علينا ومرفضّ‏ وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً على الجو دكنا والحواشي على الأرض‏ يطرزها قوس السحاب بأخضر على أحمر في أصفر إثر مبيضّ‏ كأذيال خود أقبلت في غلائل مصبغة والبعض أقصر من بعض‏ إن ابن الرومي يقف من قوس قزح موقفاً متميزاً، هو موقف جمالي بحت يدعو فيه إلى الاستمتاع بالطبيعة، وقطف الملذات في رحابها الغناء، والإفادة من تألق قوس قزح في تحقيق مزيد من المتعة وإطلاق طاقة الخيال.‏ فالشاعر يوقظ في الصباح الباكر الساقي، ويدعوه إلى احتساء الخمر، فيصحو والنوم ما يزال يداعب أجفانه، ويصب له الخمر في كاسات زجاجية متألقة مثل النجوم وقد ملأت السماء غيوم داكنة، ومطرها منهمر على الأرض، وقد تألق خلالها قوس قزح بألوانه المتعددة، مثل حسناء أقبلت في عدة أثواب ملونة، وبعضها أقصر من بعض، ولكل ثوب لونه المتميز.‏ فالشاعر يحس بمتعة الكون كله، فهو لا 16/04/2011 22:43
سيرين 
sirin@yahoo.com
لقد اعجبني شعركم هل تقبلوني صديقة معكم04/05/2011 11:15
bloume 
mimi19991@live.fr
شكرا على هذا06/05/2011 19:33
حسناء 
bouhjari201016@hotmail.fr
اعجبني الشعر فهو في غاية الروعة لقد احببته .... شكرا...شكرا...25/04/2012 22:57
fifiyounes 
fifiyounes@gmail.com
شاعر و شعر جميل و رائع يعبر عن الاحساس الطبيعي05/05/2012 09:03
إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

دير الزور

الطقس في دير الزور

دمشق

الطقس في دمشق

حلب

الطقس في حلب

اللاذقية

الطقس في اللاذقية

تدمر

الطقس في تدمر

 
 

 

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية